بالأمس القريب فاجأنا الكاتب محمد آل الشيخ بتغريدة على حسابه الشخصي بموقع التواصل الاجتماعي (تويتر) قال فيها ما نصه (يجب على وزارة العدل أن لا تجدد للمحامين الرخص إلا بعد اجتياز دورة في الأنظمة، لأن أغلبهم جهلاء في أنظمة الدولة، ولا يفهمون في إجراءات التقاضي)، وقوله هذا نتيجة تجربة شخصية (كما ذكر ذلك في تغريدة أخرى)، جعلته يسيء الظن ويعمم الحكم ويتهم أغلب المحامين بالجهل وعدم الإحاطة بأنظمة الدولة، بل وبعدم الفهم في إجراءات التقاضي، وهذا القول يقتضي الرد عليه وبيان خطأه وخروجه عن الكياسة وبعده حتى عن أن أبسط قواعد المنطق، والرد لا يعني هجوما على الكاتب أو انتقاصا من شخصه بل لنقد الفكرة وأسلوب الطرح خاصة أن القول جاء ممن يحسب على قائمة المثقفين وأصحاب الرأي في البلاد.
ويبدو أن الكاتب (نتيجة لجهله بالقانون) لا يعلم أن في القانون الإداري قاعدة تسمى قاعدة تخصيص الأهداف، والتي تعني أن المنظم حدد لجهة الإدارة الهدف الذي يجب عليها تحقيقه، وتعرف هذه القاعدة أيضا بأنها من أسس التنظيم الإداري، والذي بموجبه تمنح جهة الإدارة اختصاصها في إصدار قراراتها الإدارية، ورسم لها الطريق الذي يجب عليها اتباعه عند إصدار قراراتها وإن هي خالفت هذا الطريق وتجاوزته فإن قرارها يكون معيبا بعيب سوء استخدام السلطة، ولبيان كيف يمكن أن تسعى الإدارة إلى تحقيق أهداف المنظم والتي تضمنها النظام أورد لكم ما تضمنته اللائحة التنفيذية لنظام المحاماة من اشتراطات تتعلق بالخبرة الواجب توفرها بعد المؤهل العلمي في الشريعة أو الأنظمة قبل الحصول على رخصة مزاولة مهنة المحاماة حيث نصت على أن تتوافر لديه خبرة في طبيعة العمل لمدة لا تقل عن ثلاث سنوات، وتخفض هذه المدة إلى سنة واحدة للحاصل على شهادة الماجستير في الشريعة الإسلامية، أو في تخصص الأنظمة أو ما يعادل أيا منهما، أو دبلوم دراسات الأنظمة بالنسبة لخريجي كلية الشريعة، ويعفى من هذه المدة الحاصل على شهادة الدكتوراه في (مجال التخصص) وهذا يعني أن على وزارة العدل أن تتحقق من خلال المستندات والوثائق التي يقدمها لها من يطلب قيده في سجل المحامين الممارسين من توفر الخبرة والعلم اللازمين للممارسة المهنية الصحيحة.
والكاتب ربما نتيجة عدم علمه بما سبق ذكره وبما تضمنه نظام المحاماة ولائحته التنفيذية، وسعيه للانتقام لنفسه، عمل على أن يسوق تلك التهم الخطيرة والتي
لا تصيب المحامين فقط بل إنها تتعداهم لتقدح في وزارة العدل نفسها وإجراءات قيد وقبول المحامين التي تطبقها الوزارة، وقد يقول قائل إن الكاتب لم يشر إلى الوزارة
لا من قريب ولا من بعيد فكيف تقحمه في هذا الجانب..؟ فأجيب بأن مقتضى قوله يعني أن أغلب المحامين (كما يعتقد) دخلاء على المهنة وأنهم حصلوا على رخصة مزاولة المهنة إما بتجاوز لنظام المحاماة ولائحته التنفيذية وما اشترطه النظام من متطلبات في من يرغب العمل بهذه المهنة سواء من حيث المؤهل أو الخبرة اللازمة التي تؤهله ليكون أهلا لمهنة المحاماة كما سبق بيانه، وقوله في مجمله يقتضي هذا المعنى لأن أولئك المحامين الذين تحدث عنهم حصلوا على رخصة بمزاولة المهنة من وزارة العدل ووفقا للاشتراطات والإجراءات النظامية المتبعة لديها، ودلالة الاقتضاء كما هو معلوم عند الفقهاء تعني (دلالة اللفظ على معنى مسكوت عنه يجب تقديره لصدق الكلام أو لصحته شرعا أو عقلا) والمتأمل في ما قاله الكاتب يجد أنه سكت عن الاتهام الصريح لوزارة العدل بقيدها لمحامين (جهلة كما يظن) ولجأ بدلا من ذلك للمطالبة بعدم التجديد لهم ما لم يتم اجتيازهم لدورة في الأنظمة، وإلا فما هو مقتضى كلامه وعلى ماذا يدل..؟
وعليه فإنه كان حريا بكاتب مثله ألا ينزلق في هكذا منزلق، وكان عليه ألا ينتصر لنفسه بالتقليل من قدرات الآخرين وفهمهم، فهو لم يقف على عملهم، ولا يعلم عنهم أكثر مما يعلمه العامة من الناس، فهكذا اتهام من شأنه أن يوسع الهوة ويفرز المزيد من التباعد والتباغض بين أبناء الوطن، والخاسر الأكبر نتيجة لهذا الفكر أن سمح له بالانتشار هو الوطن ومؤسساته.