في الوقت الذي كانت تتصاعد الاختلافات بين الولايات المتحدة وروسيا والاتحاد الأوروبي حول أوكرانيا، كانت منطقة غرب آسيا هادئة تماما.
فالأزمة السورية شبه متجمدة، فيما مرت الانتخابات العراقية، وكأنه لم يشاهدها أحد، وفاز الرئيس بشار الأسد في انتخابات «لا سابقة لها في سوريا الحديثة»، ناهيك عن الوضع الإيراني، والقضية الفلسطينية، هذا ما أعلنه راجيف أغروال في مقال نشر في 25 يونيو 2014 على موقع: Geopoliticalmomitor.com بتورنتو في كندا.
وأضاف أغروال، في خضم هذه الأحداث وقع خبر سيطرة داعش على الموصل كالصدمة على رؤوس الجميع، وكأن العالم اشتعل بالحريق على حين غرة.
كيف استولت مجموعة من المسلحين السنة على ثاني أكبر مدن العراق؟ التفاصيل التي بدأت تتسرب أكدت أن المشكلة أكبر بكثير وأن المخاطر والتهديدات أكبر مما كان متوقعا.
مرة أخرى بعد ثورات الربيع العربي التي أخذت الجميع أيضا على حين غرة، يتأكد الفشل الاستخباراتي في المنطقة!
السعودية قوة إقليمية
ويتابع أجروال بأن الحكومة العراقية اعترفت أنها غير قادرة على التعامل مع داعش وطلبت رسميا المساعدة العسكرية خصوصا من أمريكا قبل أن يصل المسلحون لبغداد، لكنهم توقفوا إلى الشمال على حدود سامراء (حتى لا تنشب حرب طائفية مع ميليشيات فيلق القدس وتدخل إيران على الخط!).
وتمثل الطلب العراقي في قيام القوات الأمريكية بغارات على أهداف عسكرية لداعش.
لا يبدو أن الأزمة الحالية مجرد هجوم إرهابي لأن تطورات الأحداث تشير إلى أن العراق والمنطقة مرشحة لصراع أكبر من ذلك بكثير، فالحكومة العراقية غير متأكدة من أي شيء، وتبحث بعصبية شديدة في تداعيات الوضع الراهن وليس علاجه.
أما المنطقة والمجتمع الدولي فيوازنان بين الخيارات المتاحة، ومع تفاقم الأزمة، فرضت بعض الأسئلة نفسها بحثا عن إجابات معقولة: لماذا بدأت داعش هجومها الكاسح الآن؟ وهل هذه الأزمة تعد مظهر من مظاهر الصراع الطائفي في الشرق الأوسط؟ وإذا كانت الإجابة نعم فهل هذه بداية (تسونامي طائفي) يغير شكل المنطق بعد قرن كامل من إعادة ترسيم حدودها؟ أم أن الأمر لا يخرج عن كونه (تنافسا إقليميا) بين إيران والسعودية الصاعدة بقوة كلاعب رئيس إلى واجهة النظام الدولي.
داعش على الطريق
من الخطأ القول إن هجوم داعش على الموصل واحتلالها بالكامل، ثم سيطرتها على المواقع الرئيسية، سواء بسوريا أو العراق، لأكثر من عام هو مجرد عمل انتقامي لمجموعة من الإرهابيين، هكذا يؤكد أجروال.
فتم الاستيلاء على مدينة الرقة شرق سوريا في أغسطس 2013، كما أن المعارك المستمرة في دير الزور هي جزء لا يتجزأ من خطة داعش في الهجوم على العراق أيضا.
أزمة العراق متعددة بتعدد طبقات الصراع، والفشل الدولي في حل الأزمة السورية مبكرا جعل العراق في العراء ومفتوحا على كل الاحتمالات.
إذا لم يتم التوصل لحل سريع للأزمة للتوأمين؛ سوريا والعراق، سيصبح تفتيت الدول حقيقية واقعة أشبه بـ «تسونامي» يبتلع دولا أخرى.
والبداية ستكون بالدولتين الضعيفتين؛ الأردن ولبنان.
قواعد جديدة للعبة
وحول وجود قواعد جديدة للعب في العراق، أكد البروفيسور جاريث ستانسفيلد الزميل المشارك مدير مركز دراسات الشرق الأوسط في مقال نشره موقع معهد الخدمات الملكية المتحدة، ومقره لندن، بأن العراق بعد الموصل، لا يمكن أبدا أن يعود كما كان قبل الموصل، مشددا على أن مستقبل العراق هو واحد من أبرز الصراعات والانقسامات في النظام الدولي اليوم.
وأضاف أنه حسب الزعيم الكردي مسعود بارازاني «فإنه سواء نجح تنظيم داعش في الاستيلاء على بغداد أم لم ينجح فإن الحرب الأهلية الطائفية وأبعادها الكارثية واقعة لا محالة. وقواعد اللعبة في العراق لن تتغير»! ووفقا لستانسفيلد، فهذه القواعد الجديدة ترتكز على الاعتراف بالوقائع الجديدة في العراق وهي الطائفية والعرقية.
سياسات المالكي عمقت الخلافات العرقية والطائفية بشكل ممنهج، قبل استيلاء داعش على الموصل.
فالأعمال الوحشية لمقاتلي داعش دفعت الأكراد للتحرك لإعلان الاستقلال.
أما الغرب فيبدو منهمكا في مناقشة «ما بعد الموصل»، والبحث تحت أنقاض الدولة عن ثلاثة كيانات قابلة للتحقيق على الأرض!
ماذا يحمل المستقبل؟
بعض التحليلات الأكاديمية النظرية ما زالت ترى أن هناك مساحات كبيرة من الاعتدال والشعور بالمواطنة في العراق، وهذا الادعاء يحتاج لتأكيد حتى تستطيع القوى الغربية طرح برنامج سياسي غير طائفي يمكنها من سحق قوتين موجودتين بالفعل الآن (داعش والميليشيات الشيعية العراقية)!الأهم من ذلك، أن هذا الادعاء يفترض أن يتنازل الأكراد عن هويتهم القومية (العرقية)، والتضحية بما اكتسبوه من مصالح أوسع من العراق نفسه! وفضلا عن ذلك أن يكونوا على استعداد للمشاركة في تقاسم هذا العراق الواحد ونسيان ممارسات داعش الوحشية والسياسات الطائفية الثابتة من جانب حكومة المالكي الشيعية، ناهيك عن انتزاع موافقة الأكراد كلهم داخل وخارج العراق على ذلك!احتمالات المصالحة «العاطفية» على ما يبدو «مستحيلة» لذا علينا أن نفكر بعقلانية أكثر في السياسة وأن ننظر إلى المستقبل الذي سيشهد ثلاثة مناطق للعراق سيسيطر عليها: الأكراد (كردستان) والسنة (بالإضافة إلى داعش) والشيعة في الجنوب.

