كنت قد قرأت أن الخليفة «المأمون» وضع شروطاً لاختيار وزيره قائلاً: (إنِّي التمستُ لأموري رجلاً جامعًا لخصال الخير، ذا عفَّةٍ في خلائقه واستقامةٍ في طرائقه، قد هذَّبتْهُ الآداب وأحكمته التَّجارِب، إن اؤتمن على الأسرار قام بها، وإن قُلِّد مهمَّات الأمور نهض فيها، يُسكته الحلم، ويُنطقه العلم، وتكفيه اللَّحظة، وتغنيه اللَّمحة، له صولة الأمراء، وأناة الحكماء، وتواضع العلماء، وفهم الفقهاء، إن أُحسن إليه شكر، وإن ابْتُلِيَ بالإساءة صبر، لا يبيع نصيب يومه بحرمان غده، يسترقُّ قلوب الرِّجال بخلابة لسانه وحسن بيانه)!

وبعد استجلاء الأسس التي وضعها «المأمون» أدركت يقيناً أن الوزارة بحاجة لـ»كاريزما» خاصة وشروطٍ لا تتوافر إلا فيمن سخرهم الله لها! وقد تخيّلت – كعادتي - انتمائي لذلك العصر العباسي وقد عُرِضَ عليّ تقلّد الوزارة!، ولأن خيالي «قد يشطح» فإنني افترضت عدم التفوّه بالموافقة حتى وإن قام «الجلاوزة» بضربي بالـ»مقارع»! لا عصياناً لأوامر الخليفة - معاذ الله - ولكن من أين لي – وأقولها صادقاً- بامتلاك تلك الخصائص النادرة ندرة الألماس؟!، ثم هل أنا «غازي القصيبي – يرحمه الله - على غفلة»؟!، إنني أعرف نفسي وأعرف مؤهلاتي جيداً! بجانب إدراكي لحجم التحديات التي ستواجهني؛ واستشرافي للمصاعب التي ستعترضني حتى وإن أطلقت ذلك «المارد» القابع بداخلي! فإن بالغوا في العقاب بما لا طاقة لجسدي (الضعيف/ النحيف) بتحّمله فإنني سأقبل بالمهمّة «الوزارية» على مضض! وإن كانت نفسي ستظل «كلّ حزّة» تشاغبني لأتقدّم من مقام الخليفة - في لحظة انشراح لخاطره - طالباً منه الأمان أولاً ثم التكرّم بإعفائي من المهمّة والتفضّل عليّ بـ»إعطائي حريتي» وأن «يُطلق يديّا» لأعود لحياتي البسيطة التي وإن كانت «على قدّ الحال» إلا أنها – بالنسبة إليّ- أهنأ للقلب حيث (لا عليَّ ولا ليا)!! فإن أصرّ «المأمون» على قراره فإني سأطلب منه تخفيف الحكم وتعييني بمجلس الشورى عضوا!