الموضوع لا يحتاج إلى تمهيد لتبيان فضل النزاهة، ولا يتطلب الإشارة لفضيلة العدالة في نطاق مسؤوليات إدارة الناس أو شؤونهم، لعدم جدوى ما يمكن إضافته من المحفزات التوعوية لحث السعداء من بعض أصحاب السعادة على مراعاة ما تمت الإشارة إليه من الفضائل قبلا، لأن كل شيء وصل مداه، وأخذ من التكرار أكثر من نصيبه، في أكثر الجوانب أهمية وانتشارا في مسار الحياة وتعاملاتها، ولم يعد من المناسب دعم القوى العاملة بأسلوب المراوغة بأي تنبيه مصيره معلوم.
الموضوع، يحتاج إلى ما يناسب مقاساته، إنه يحتاج فعلا إلى أكثر من لحظة تأمل لرصد وفحص احترافية بعض مدراء العموم، ومن في حكمهم في إحراج من يتبعهم من فصيلة «أبشر طال عمرك»، ووضعهم في مواجهة أنفسهم «لمخالفة النظام بموجب النظام» من أجل المصالح الضيقة.. وبعضها مشترك، هذه استراتيجية جديدة قديمة تمخضت عن مدرسة إدارية سادت محليا وما زالت بلا اسم، غير أن لها ما يميزها ويدل على جرأتها، ولها خاصية التحرك في المفاصل بروماتيزمية يصعب على الرقيب، وهو عليل، مداواتها بغير التدليك والنفث في وجه الأرض، كلما ضاقت عليه البنود الرقابية الوسيعة.
في العموم، يلحظ المراقب من يوم إلى آخر مفاجآت إدارية غير سارة، جلها ممهور ببصمة احترافية لتمرير الفساد، ولأنه لا ينفع مع شريحة «أبشر طال عمرك» أي نصيحة وطنية أو موعظة سلوكية، تجعل منهم أصحاب ضمير يحمي ما تحت أيديهم من المسؤوليات، بعد أن أدمنوا الخنوع وتحولوا مع الزمن إلى نعام مع اختلاف التقاسيم، نجد أنه لا مناص من تحويل الحديث إلى أسيادهم المتنفذين فلعلهم يستيقظون ولو إلى حين، ليراجعوا أنفسهم.
يا أصحاب السعادة: إن شاء الله إن في جلكم خير، لكن غبار بعضكم شق كل الطرق الملتوية ولوث البيئة العملية والمناخ العام، بعضكم يعمل لتشويه وجه الوطن، ورفع منسوب الضغينة بين الناس، وإذا ضقتم بهذا القول ذرعا فضعوا ما تصدرونه من توجيهات مكتوبة مستقطعة من قاموس البيروقراطية مثل - يكمل اللازم حسب النظام، وما تلحقون بها من توجيهات أخرى غير مكتوبه لاختراق النظام في هيئة «حالة للدراسة وتأملوا النتائج».
وما تبقى من الحديث مخصص «للرقيب» وهو وجيز، خلاصته أن جل التوجيهات البيروقراطية التي تحرك المخالفات المهنية تحدث ليحتمي بها التنفيذي المراوغ، ووراء ذلك نقاش لم ينل حظه من الاهتمام، والحل، وهذا رأيي، في سن نظام صريح تحصر بموجبه «كامل» مسؤولية مخالفة الأنظمة ماليا وإداريا في «مدراء شؤون الموظفين ومدراء الإدارات المالية»، كل حسب اختصاصه، وهنا ستدور المعركة بين الإدارة العليا والإدارة الوسطى في كل منشأة مشبوهة، وحتما ستتغير قواعد اللعبة لصالح النزاهة بهدوء.

