إذا كان الخطاب والتخاطب الممثل الأبرز للثقافة، فإن الخطاب الديني هو الأهم والأبرز والأكثر جدلاً وتداولا على الأصعدة كلها، ولم يكن شكلاً واحداً، فمنه الخطاب القابع في تأريخ أصوله دون أن يأخذ من تلك الأصول قدرتها على الصلاحية الزمانية والمكانية. وهناك الخطاب الشرعي المتزن بالوسطية والاعتدال. ولكل نوع ما يضاده ويختلف معه وحوله. وبين هذا وذاك تموجات كثيرة. كما ينشأ بين فينة وأخرى خطاب متيقظ يحاول في مسار التصحيح، وهو متعدد ومختلف أيضا. ومتراجع ومتقدم في آن!!

كل ما تقدم يجعلنا نطرح أسئلة صريحة على الخطاب الإسلامي كنقد تصحيحي تكمن إجابته في تغير ملموس ومشهود في كل أدوات الخطاب ومصادره وآلياته.
وأول هذه الأسئلة ومفتاحها: هل الخطاب الإسلامي يغذيه فكر إنتاجي، أم أن الذي يغذيه خطاب مثله؟ مما أضعف نسله إلى حد لا يقبل التلاقح مع الأفكار ويتناغم معها، بل يشارك في الصراع الثقافي والحروب الكلامية واللسانية!!. إن التراتبية الصائبة هي أن الوعي ينتج فكراً، والفكر ينتج خطاباً والخطاب ينتج سلوكاً، وهذه هي الحالة التي كانت عليها بواكير الخطاب الإسلامي، متمثلاً في المنهج القرآني والنبوي.
والسؤال الثاني: هل كان الخطاب الإسلامي قائما بذاته، أم كان يخضع لأجندة من خارجه يفتقد الوعي بأسرار حركتها؟ ولا يدري إلى أين تتجه بوصلة إرادتها؟
والسؤال الثالث: هل أدرك الخطاب الإسلامي أن مشروع المواجهة الذي صنعه، أو الذي يُستدرج إليه دائما لصالح غيره، أن هذا المشروع هو الذي أهدر طاقته وبدد جهوده!! فهو لم يُعرض عن الجاهلين، بل خاض مع الخائضين!
والسؤال الرابع: هل آن للخطاب الإسلامي أن يتخلص من ثنائياته الخانقة والمتجددة مع كل فكرة أو حدث. من نحو (الدين والسياسة / الدين والمواطنة / الإسلام والقومية / الإسلام والعلمانية/ الإسلام والليبرالية/ الإسلام و ... الإسلام. و) ألم يأن لنا أن ندرك أن الإسلام دين (إن الدين عند الله الإسلام)، ولا يمكن أن يكون دين الله ثنائية لأفكار البشر المطلوب منها فهمه وليس صناعة الند له! أم أننا نطلق الإسلام ونريد به أنفسنا! وننادي بمصلحة الأمة وإذا بها تتكشف عن مصلحة الأنا! حتى أنتجنا إسلاماً سياسياً وآخر عربياً وآخر صحوياً وهكذا.
والسؤال الخامس: هل تجاوز الخطاب الإسلامي الارتقاء بمنتجاته دائرتي (المؤامرة والابتلاء) إلى دوائر الفعل والمشاركة، وأين إنتاجه من إنتاج العقل المفتوح والنفس المطمئنة.
إننا نعيش واقعا مختلفا لغته قوة المعرفة وأدواتها التواصلية في عالم الاتصال والتقنية مما يجعلنا أمام مسؤولية مركبة لا تسمح بالمتباطئ ولا الغباء.
والخطاب الإسلامي معني كغيره بل أكثر بوعي المرحلة وإدراك كمّ وكيف التحدي المعرفي. فالمعرفة تتجاوز الركود وتصاحب الحركة وتدرك إيقاع الحياة وتوجهات الوعي، في تغير يضمن الحياة ويحافظ على الجوهر.