يختلف النقاد حول أحقية الفن في أن يصدم واقعه من خلال نقله كما هو، بكل ما فيه من جمال وقبح، أم أن العقل المبدع من المهم أن يختار الطريقة التي يواجه بها المشاهد مع الواقع، من خلال الإشارات المتوارية لكل ما يريد إيصاله.
يعد الدكتور أحمد سماحة أن الفن تعبير عن الواقع وليس نقلا له، وأن الصدق الفني هو الإيحاء بواقع قد يكون مشابها أو مغايرا للحقيقة، لكنه متسق ومتوافق مع معادلات العمل الفني بكل أشكاله. ويقول في حديثه لـ»مكة»: الفن بما هو إنتاج إنساني يجد أرضيته بكل تأكيد في الواقع و في المادة دون أن تكون غايته إشباع الحاجات المادية أو إثارة الفتن أو الغرائز، لذلك فهو يكشف عن روحانية الإنسان، وتاريخ الفن يكشف لنا عن أعمال فنية عديدة غيرت الواقع نحو الأفضل، ومنها رواية منزل الأموات لدستوفيسكي التي أدت إلي إصلاح السجون في روسيا حينها»
وعن التجاوزات التي قد يقع فيها العمل الفني في سبيل تحقيق رؤية الفنان للواقع، عدّ الناقد والكاتب السينمائي الدكتور أمير العمري نفسه مناصراً لمن يعبر عن رؤيته بلا قيود، إلا ما يفرضه الفنان على نفسه، وقال لـ»مكة»: الصدق الفني هو أساس الحرية، وأنا أتحفظ كثيرا على كلمة تجاوزات، ولكن إذا كان المقصود تكسير أنماط وقوالب قديمة في الفن فأنا مع هذا التجاوز»
فيما عدت الناقدة الدكتورة هيفاء الجهني، أن من مقومات الأعمال الفنية وخلودها مدى ملامستها للواقع ومعالجتها لما يؤرق الإنسان أينما كان، وأضافت :”الصدق عنصر أساسي في قبول الناس للعمل الفني أيا كان نوعه وأداة لقياس الجمال الفني للعمل فهو مطلب فني لا محالة، لكن ما مدى هذا الصدق وما سقفه؟ الصدق يعني المعالجة الفنية الراقية لمشاكل المجتمع وعيوبه وتسليط الضوء على همومه وكل ما يؤرقه دون تزييف وفي الوقت ذاته دون تبجح واستهتار بالذوق العام بحجة الصدق»
وعدت الدكتورة الجهني أن كشف المستور يكفيه الإشارة دون خوض في التفاصيل، وقالت موضحة «إذا ما وصل العمل الفني لا سيما المرئي منه إلى الكشف الفاضح والخوض فيما لا يقبله الذوق العام أصبح ضرره أكبر من نفعه، ودعوة للانحلال وترويجا للرذيلة والعياذ بالله» مستنكرة على بعض القنوات الفضائية تقديم فن هابط مروج للرذائل بحجة الصدق.
«تصوير القبح مسألة نسبية، يجده البعض مولدًا للجمال الفني، ولكن المغالاة لا تضفي قيمة على أي عمل، كما أن مخالفة السائد لأغراض الإثارة والتجارة لا تصنع فنا، ليس من الطبيعي أن يوجد أوصياء على الفنان، باستثناء ضميره الفني وتقديره الخاص لتقبل الجمهور العام لما يعرضه»
أمير العمري
«الفن الحقيقي يتجاوز الواقع إلى واقع أكثر مثالية، وكل إبداع يدعونا للمقارنة مع الواقع المادي وإصلاحه، الفن لا يقطع العلاقة بالواقع بل هو يسهم في إقامة علاقة، فليس ذلك معناه إعادة إنتاج فجة له، ولكنه يهذب حكمنا الجمالي و يجعلنا نقيم علاقة جديدة مع العالم»
أحمد سماحة

