منذ عدة سنوات اشتركت أنا وزميل لي في علاج أحد المرضى بأحد المستشفيات الكبرى بمدينة جدة، وانتهى التشخيص إلى أن مريضنا مصاب بمرض عضال، لا شفاء منه «إلا بإذن الله تعالى»، واجتمعنا ـ نحن الفريق المعالج ـ لنحدد الصورة النهائية التي سنوصلها إلى المريض وأهله، وأصر زميلي على إخبار المريض بحالة مرضه بصورة دقيقة وصريحة، وأنه لا شفاء منه طبيا، هنا أو بأي مكان في العالم، فالمرض قد انتشر وتوغل بالأعضاء الرئيسية بالجسم، وصممت أنا على أن تنقل الصورة لأهله، أما هو فيكفي أن نطمئنه فقط دون أية تفاصيل، وازداد الخلاف وانقسم الفريق المعالج بيننا، وتحدثت عن أننا كمسلمين لنا تراثنا الطبي والأخلاقي، الذي نعتمده منذ القرون الأولى للإسلام، وأننا يجب أن نحافظ عليه، وتذكرت كتابا للطبيب المسلم إسحاق بن علي الراوي، هو «أدب الطبيب» حوى بالتفصيل كل الضوابط والأخلاق الإسلامية، التي تحكم الممارسة الطبية، وأن تلك النقطة الخلافية بيني وبين زميلي، هي أيضاً نقطة خلافية بين الأخلاق الإسلامية والأخلاق الغربية في ممارسة المهنة، فإذا كانت الأعراف الطبية الغربية ترى أن يعلم المريض بحقيقة مرضه وتفاصيله، حتى لو كان مرضا عضالا لا شفاء منه، فإن الأخلاق الإسلامية ـ على عكسها ـ تفضل عدم إخبار المريض الميؤوس من شفائه بحقيقة مرضه، والاكتفاء بإخبار أسرته وأهله، عملا بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم «إذا دخلتم على المريض فنفسوا له في أجله فإن ذلك لا يرد شيئا ويطيب نفسه»، وإننا وإن كنا نأخذ علمنا اليوم من الغرب فوعينا الإسلامي يجب أن لا نتخلى عنه لأننا ما زلنا نختلف، واختلافنا في حد ذاته قيمة لإنسانيتنا، ويكفي السؤال ترى أما زلنا نختلف؟!
أما زلنا نختلف؟!
عصام موسى2 دقائق للقراءة

حجم الخط
