بنيت العملية السياسية العراقية من بدايتها على خطأ، والخطأ بدأ عندما سلمت أمريكا بعد احتلالها العراق عام 2003 زمام الأمور لحفنة من السياسيين المعارضين الذين عاشوا شطرا كبيرا من حياتهم خارج البلاد، وفي كنف دول تعتبر من أشد الأعداء للعراق والعراقيين، ولهم صراعات دموية وحروب تاريخية متواصلة معهم، ولبعدهم الطويل عن العراق والعراقيين، فقدوا جزءا كبيرا من ولائهم للوطن، وشعورهم بالانتماء له، والخطأ القاتل الثاني يكمن في الدستور الذي أعطى صلاحيات واسعة جدا لرئيس الوزراء، من دون أن يعطي هذا الحق للرئاستين الأخريين؛ رئاسة الجمهورية ورئاسة البرلمان، والنتيجة أن الدستور أطلق يد رئيس الوزراء على أمور الدولة يتصرف بها كما يشاء، من دون الرجوع إلى البرلمان، فهو الرئيس التنفيذي للبلاد والقائد العام للقوات المسلحة وبيده أن يقيل من يشاء ويعين من يشاء، ولا سلطان فوق سلطانه، ولا راد لحكمه، وإذا ما عارضه أحد وانتقد سياساته الخاطئة، واجهه بكل قسوة ووصفه بأنه يعمل لصالح دول إقليمية وخليجية معينة، ويتلقى الدعم منها، وبأنه خائن للوطن، ولا يتوانى أن يخوض معه صراعا سياسيا نفسيا مريرا، ولا ينتهي إلا بإزاحته عن طريقه بشتى الوسائل المشروعة وغير المشروعة، وعبر مواد الدستور التي تخدم أهدافه مثل المادة الرابعة إرهاب التي استعملها ضد أقطاب الأحزاب السنية، وربما ذهب إلى أبعد مدى، وأعد قوة عسكرية لمواجهة معارضيه، كما فعل مع الأكراد عندما شكل قيادة عمليات دجلة في مدينة كركوك المتنازع عليها، ووضعها أمام القوات الكردية في حالة تأهب قصوى، والخطأ الثالث القاتل الذي جعل الأوضاع تتفاقم وتتجه إلى ما هي عليه الآن هو انسحاب القوات الأمريكية السريع في عام 2011 من العراق دون أن تكمل مهمتها في إقامة مؤسسات الدولة التي هدمت وعلى رأسها المؤسسة العسكرية، تاركة العراق نهبا لإيران وفي عهدة حكومة طائفية غير مسؤولة تعتاش على المشاكل والأزمات، وقد أكد الحاكم المدني السابق للعراق «بول بريمر» هذه الحقيقة حيث قال: إن الخطأ الكبير الذي ارتكبناه كان مغادرة العراق بوقت مبكر وسيحكم التاريخ ليس على بقائنا هناك لمدة طويلة، بل على انسحابنا في وقت مبكر جدا».
رغم مرور أكثر من ثماني سنوات على حكم نوري المالكي للعراق، لم يشعر العراقيون يوما أنه يمثلهم أو يعمل لمصالحهم ويسهر على راحتهم، ولا هو نفسه اعتبر رئيسا للعراقيين رغم تأكيده المستمر على الوطن والوطنية ووحدة البلاد من خلال تصريحاته الكثيرة، ولكن الواقع كان يظهر شيئا مختلفا تماما عما يدعو إليه ويظهره، وقد أكدت الحقائق الملموسة أنه زعيم لحزب طائفي يطمح إلى أن يقود العراق بالصورة التي يريدها، وأن مارس القمع للوصول إلى هدفه، بالضبط كما كان يحاول حزب البعث العربي أن يفعله ويصل إليه، كل الطوائف والشرائح العراقية بدأت تتضجر من تصرفاته وأحاديثه المتناقضة، وتنتقدها وتعترض عليها، أقواله مليئة بالأحاسيس الوطنية والعراقية النبيلة، ولكن أعماله تختلف عنها تماما، وكأنه شخص آخر، تراه يدعو إلى رص الصفوف والالتزام بالدستور والقانون والعدل ومناهضة الفساد، ولكننا نجده أول من يشق الصف الوطني ويضرب الإجماع العراقي من خلال إبعاد وتهميش السنة والأكراد في مؤسسات الدولة الحساسة مثل مؤسسة الجيش، حتى وصلت نسبة الأكراد في الجيش إلى 2% رغم وجود قادة كبار منهم، مثل رئيس أركان الجيش، ولكن حضور هؤلاء وتأثيرهم على تركيبة الجيش وتشكيلاته لا شيء، وجودهم كعدمه.. أما أهل السنة فإن نسبتهم في الجيش، وصلت إلى 11% والنسبة الباقية الكبيرة 87%، تكون من حصة الميليشيات الشيعية المتطرفة، وقد «كشف تقرير أعده معهد «بروكينغز» الأميركي بعنوان (تقرير الوضع العسكري في العراق)؛ أن «المالكي» قام بعملية تطهير للجيش العراقي وتخلص من مجموعة قادة يشتبه في عدم ولائهم.. وقام بدلاً من ذلك بتعيين الموالين له .. ما أدى لظهور ضباط أقل كفاءة ومسيسين بشكل كبير».
وقد استطاع خلال فترة حكمه أن يشكل من هذا الجيش الطائفي مليون شخص، وتباهى به كثيرا، ولكن هذا الجيش «الباسل !» سقط في أول ضربة وجهت إليه في محافظة «الأنبار» ومن ثم في «نينوى» وتوالت الهزائم، أمام حفنة قليلة من المقاتلين لم تتعد ثلاثة أو أربعة آلاف مقاتل، جيش مليء بالقيح الطائفي والحقد التاريخي المتراكم، وخال من أي حس وطني، يقاتل في أرض لا يعتبرها أرضه، ويدافع عن مجتمع لا يمت إليه بصلة، لذلك ترك سلاحه في أرض المعركة ولم يحارب... فكانت هزيمته المدوية التي ستبقى تروى لأجيال ويتحدث بها...
جيش بلا ولاء للوطن
محمد واني4 دقائق للقراءة

حجم الخط
