شاءت: “أمريكا”، أن تبسط نفوذ فوضاها الخلاقة، في عالمنا العربي على النحو الذي يضمن لها، استتمام حلقات: “مسلسلها” تِباعاً، عبر ما عُرف أخيراً بـ: “الربيع العربي”!، والذي سيدفع بـ: “الإسلاميين” بضرورة الشارع - وهو خيار أمريكي بامتياز- نحو: “السلطة”..، ويمكن أن يُعدّ هذا – أي وصول الإسلاميين إلى السلطة - هو الفصل الأول من كتابِ: “الفوضى الخلّاقة”، وكلّ ما سينشأ عنها مستقبلاً، مما عُرف قبلاً بصناعة: “شرق أوسط جديد”، والذي من شأنِ أولى مشغولاته، العمل على تعزيز الدور: “الإسرائيلي”، في المنطقة، على نحو ما أعلن من ذي قبل، ذلك أنّه ما بات في الأمر من سر.. إذ ليس في أحدٍ من دول المنطقة ما يمكن خشيته، الأمر الذي انتهت معه ممارسات ما تحت الطاولة منذ زمنٍ بعيد ذلك أن ما فوق الطاولة أضحى مملؤاً بكافة الملفات. لكن أين من يقرأ ويتابع!
تلك حكاية فيها من سردٍ مبتذلٍ، وليس يسع أحداً اليومَ جهلُ تفاصيل تفاصيله!..
وفي مقابل ما شاءته أمريكا، كانت ثمّة إرادة سياسية لدول المنطقة، وبخاصةٍ تلك التي لم تلتاث بـ: “ربيع أمريكا”، إذ تجاسرت هذه الإرادة بطريقةٍ لم تعهد من ذي قبل، فخرجت عن: “الطوق الأمريكي” بما يُشبه الولادة الجديدة، بحيث لم تكتف هذه المرة، بأن تُعلِن وعلى استحياء، عن شيءٍ من شجبٍ، في لغةٍ شعريّة ليس من شأنها سوى الاستنكار، كما كانت عليه سابقاً.! وإنما ألفيناها، ومنذ البدء لهذا الحراك المتأمرك (المعنون بالربيع)، وهي لا تفتأ ترفع عقيرتها بقول: “لا” بنبرةٍ تشي بمنطقٍ يغاير ما كانت عليه رخاوة: “لاءاتهم” الماضيات، بل إنّ الـ: “لا” هذه المرة، ما لبثت غير قليلٍ، وإذ بها تصبح عملاً ناجزاً، تمكنت من خلاله – الدول الرافضة للربيع - على تقويض كل ما نّصب من خيام: “الربيع العربي” (وبقية الحكاية السردية حتى منتهاها مما يعلمها الجميع فلست بكبير حاجةٍ لإعادتها ها هنا).
إلى ذلك يمكن القول: إنّ الدول المناهضة، لما عُرف وفق الأدبيات: “الأمريكية” سياسياً/ وإعلامياً، بالربيع العربي، بيدها هذه المرة – الدولة المناهضة للربيع - قد أفسدت على: “أمريكا”، المضي قدما في استتمامِ، ما فضُل من فصول: “الفوضى الخلاقة”، وفي هذا ما فيه من تعكير لمزاج البيت الأبيض، ومن خدشٍ لكبرياء النسر الهرم.! ولن ترضى أمريكا أن يجترح أحدٌ من خصومها مثل هذا الفعل، ناهيك عن حلفائها، وبناءً عليه فلن تُمرر لهم هذا الفعل دون أن تعرك آذانهم وفق طريقتها الخاصة.!
وبما أن العقل: “الأمريكي”، يتمتع ببراجماتيته “الخلاقة”، فإنه لا يمكن بأي حالٍ أن نظن سفهاً، بأنّ مشروعاته من السهلِ، أن يتم إفشالها، أو الحؤولة دون تنفيذها، لا لكونهم على كلّ شيءٍ قادرين - وهذا ليس إلا لله وحده -، وإنما بسببٍ كونهم يأخذون بكل ما من شأنه، إنجاز مهمّتهم أيّا يكن المتغيّر، وتحسبّاً لأي ظرفٍ يمكن أن يطرأ، فإنّهم لطالما كانوا على أهبة الاستعداد بخطة ثانية وثالثة و..، وبحسب مراكز دراساتهم فإنّهم لا يستبعدون بالمرّة، أن ثمة فشلا لأيّ سببٍ وآخر، قد يعتور طريق “الخطة رقم واحد”، فلم يكن بدٌّ، من التأهب إذ ذاك بأكثر من خطّة بديل، ابتغاء أن تتحقق النجاحات دون تعثر يخسرون معه شيئاً من الزمن ليس إلا!!... وبخاصةٍ أنّهم معنيون بالوقت..!
وكانت: “داعش” بهجير صيفها الحارق، هي أفضل خيارٍ لأن تكون: البديل عن صناعة الربيع، والنشوب تالياً في استثمارها في أبعد مدىً. وبمعنى آخر:
لن تجد: “أمريكا” خيراً من: “داعش” بديلاً/ وتهديدا، إذ بهذه الأخيرة - وخلطة مكوناتها العجيبة - ستُحقق أمريكا ما كانت تبتغيه من: “الربيع العربي”، بل وما هو أبعد من ذلك بما لا يخطر لأحدٍ على بال.! ولعلنا جميعاً، ووفق متواليات الأحداث السريعة، والمحاطة بجملة من أسئلةٍ ضخمةٍ، يتسمّر قبالتها الضالعون سياسةً، وذلك عجزاً عن مقاربة الإجابة على بعضٍ من هذه الأسئلة التي لم تنشأ عن فراغ.!
أعاود القول ثانية: لعلنا جميعاً ووفق متواليات الأحداث السريعة، قد شاهدنا بأمّ أعيننا آياتٍ بيّناتٍ على أنّ: “أمريكا” ستتخذ من: “داعش” عصاً غليظة، تؤدب بها كلّ من حال دون فوضىً خلاقة، تروم تقسيماً لمنطقتنا وفق: “خارطة دم/ أو عرق”. وعليه فإنّه لا يصح سياسةً ولا منطقاً، القول بأنّ: “أمريكا” قد تفاجأت بمثل هذا الحضور: “الداعشي”، والذي لا بد وأن يكون حضوراً قويّاً بادي الأمر ولافتاً، مع ما يكتنفه من إبهارٍ كفيل بأن يفاجئ الرأي العام، فلا يتفقون حينئذ على قراءة أجنداته وتأخذ منهم الحيرة كل مأخذ. على حين كانت أمريكا تجيد اللعب بمثل هذه المساحات، وما من أحدٍ، بات أخيراً يمكن له أن ينافسها، في القدرة على صناعة: “عملاء” من كافة الأطياف، لا أن تجلس وإياهم على طاولةٍ واحدةٍ إذ هي أذكى من أن تفعل مثل هذا العمل الأخرق، وإنما ثمة أغبياء يجعلون من أنفسهم وبالمجان: “عملاء”، دون أن يتفطنوا لذلك. وفي التاريخ القريب نماذج اتخذت لها من: “الجهاد” دثارا، وإن حسنت في ذلك نيتها، غير أنّها لا تعدو أن تكون مجرد حجرٍ متهالكٍ، على رقعة شطرنج ليس لها من الأمر شيء، بيد أنّه دور (كمبارسي) تؤديه على مسرح الأحداث، ولعله وفق رؤى المخرج، هو الأليق بها ممارسة وأداءً جراء إمكاناتها، بحيث تنتهي هي بانتهاء ما أعد له سلفا من حضور وسيناريو/ وحوار، ثم لا تلبث أن تتلاشى، بانتهاء الدور المعد لها سلفاً.!
وفي الجملة:
فإنّ صمت أمريكا، بل مباركتها بطريقة خفيّة لـ: “داعش” ليس من شكٍّ أنه فعل: “تكتيكيٌّ” وخاضعٌ لحساباتٍ مقدّرةٍ إلى أجلٍ، ينتهي بانتهاء استثمار “داعش”، بوصفها: “فزاعة” ستشكّل بالضرورة على دول المنطقة عنتاً كبيراً في حال أطيل أمد وجودها باعتبارها: “دولة”!، ذلك أنّها أكثر إقلالاً للمنطقة من: “الإخوان وحكوماتهم” لو أنها قد كانت..!
وما أحسب أن أحداً يعي المقدمات لأحداث: “العراق” المتلاحقة، بوتيرة متغيرات لاهثة، إذ اختصرت ما كان يجب أن يجري في سنة، وإذ به يتحقق كاملاً وبغضون أيام...! أؤكد أنّه ما من أحد يعي شيئا من تلك المقدمات إلا وهو يقرأ مستقبلاً للعراق، يحاكي ما كانت عليه الأمور في الاتحاد اليوغسلافي السابق، حيث آل أمره إلى تقسيمٍ سُبق قبلاً باصطفافٍ مذهبيّ وطائفي وعرقي، وتقاطع بالتالي مع مصالح مختلف القوى الداخلية والمنطقية والإقليمية والدولية وقد امتلك لاحقاً الشرعية الدولية.
وبكلٍّ.. فبإرادةٍ أمريكية وبشيءٍ من مباركةٍ عربية هل يمكننا أن نتساءل:
هل كتب على: “العراق” أن يكون أسير فوضى خلاقة ثمنها الدم العراقي الممزوج بدم فلذات أكباد: “المسلمين” ممن يجاهدون بالوكالة عن: “أمريكا” علموا ذلك أم لم يعلموه.!؟
بـ::"داعش" أمريكا تُعاقب الدول الرافضة للربيع العربي..!
خالد السيف5 دقائق للقراءة

حجم الخط
