في رواية (الطيبون والقاع) لعلي حسون الصادرة قبل ثلاثين عاماً، يخاطب أحد أبطال الرواية صديقه ناعياً حال حيّه - حارته - وقد جعلته (البلدوزرات) أثراً بعد عين..! ويهوله تحوله إلى عدم. ويأخذ البطل صديقه باتجاه نوستالجيا حميمة، تحاول مقاومة المحو والفناء بالحنين للأماكن القديمة، بدفئها وطهارتها وطوابعها المكينة في الذاكرة، يسليه بماض امتدادات جغرافيا المعالم المدينية في وجدان إنسان المدينة التي عرفها وخبرها.
كانت تلك الرواية ضمن طليعة الأعمال الروائية للكتاب المدنيين، وظهور سمات نضجها الفني، ولست هنا في وارد مقاربتها فنياً؛ غير أن ذهني استدعاها.. وأنا أشاهد(عباس) ذلك البطل الذي راعه بداية انفراط عقد الصورة الحقيقية للمكان المدني بعناصره ومكوناته كافة. وقد توحشت واستشرست وتيرة الإفناء المنظم لمعالم سكنت وجدان (الطيبين) من المدينيين، وأوردتهم القاع.. قاع المعنى والذاكرة الصماء.
وأضحوا لا يلوون على صورة واحدة تستقر في أذهانهم عن مدينتهم، أو تألفها أبصارهم، أو يلذها وجدانهم، حتى يفيقون على صورة أخرى تأخذ أوصافاً وأسماء متعددة مشروع/ تطوير/ توسيع؛ تجريف ما بين لابتي مدينتهم، شرقها وغربها وشمالها وجنوبها، إذ لم يعد ثمة قانون فيزيائي للجهات، إلا ما يقرره أهل المال وأساطينه، تملكاً واستثماراً لبناء ناطحات أو مصدات سماء، فحتى الآفاق والفضاءات لم تعد تتسع لـ(الطيبين)، تكتم زفراتهم حتى لا تمتص حرقاتها السماء.
تُفني كل ما تراكم واستقر في ذاكرتهم من حكايا وذكريات وتفاصيل. وليس لـ(الطيبين) من حول سوى الامتثال والتسليم بالمقرر. حتى وإن استقطر جزءاً من مهجهم، واستأصل كتلة حية من جوارحهم، وقضم ندىً رياناً ينضح بمعنى الجوار ومن جاور. لم يعد بوسع (الطيبين) استرجاع ملامح مدينة شكلت خطواتهم ومعمارهم التقليدي وأنظمة ثقافتهم في البناء والعمران تاريخ حاضرها وماضيها القريب. ولم تكن لهم كلمة تسمع أو رأي يُعتد به فيما أُريد لها من تطوير وتحديث. مرت مراحل التغيير فيها سريعة كلمح البصر. وليس ثمة من يراعي ما كانوا يحرصون عليه ويعتدون ويفاخرون به، من تجليات موروثهم الثقافي في هندسة البناء ونظم الحياة وضروراتها.
فاختلطت في عيونهم وذاكرتهم وتماهت مشاهد الأنقاض تتجدد كل يوم في جزء من مدينتهم، اختراقات طولية تشق قلب مدينتهم وتأكل أطرافها، وتقضم أذرعتها، وترسم جغرافيا وتضاريس جديدة لمدينة أضحوا فيها غرباء، أو هي تغربت عنهم. تغريبة روح ومنفى ذاكرة أو نفي لهما، حتى يكون للمدينة وجه يختاره المطورون.
في مدن العالم ثمة ما يجده قراء الروايات والسير والتواريخ متطابقاً بين ما حفظه التدوين ورصده الكاتبون وسجلوا ملامحه ومظاهره وبين الحي المعاين المشاهد، فيعيش القارئ حياة الأمكنة والكتابة، ويشاهد الأمكنة في مرآة الكتابة، ويتخيل فتنة المسطور في تضاعيف الأمكنة. هناك ديمومة لحياة الأمكنة. وإن تغيرت ملامحها؛ فإن جوهرها لا يتغير، وقواسم كينونتها الأصيلة لا يمكن أن تُمس. تتوارثها الأجيال وتتعهدها بالرعاية والصون. ومن ثم تتراكم الثقافة، وتتنامى المعرفة في هذا المجال، ويصبح لحضارة المكان جوهر ولون ومعنى.
فيحتوي الحديثُ القديم، ويصونه من الفناء، ويحفظه من عوادي التغيير والطمس، وتتجلى قيمةُ الأصيل بشكل المعاصر، ومن ثم تتناغم عراقة وحداثة الأمكنة، دون مساس بضرورة وجود إحدى القيمتين.
غير أن ما يظهر لنا من مظاهر المدينة الجديدة ؛ قد أسقط من حساباته كل تلك المعادلات والنسب. فهي مدينة حديثة بمعيار الشواهق الإسمنتية، والشواخص الزجاجية الصماء. وامتدادات السواد الذي صار يشق روحها إلى أجزاء، وشراذم، يمكن أن تريك كل شيء، وتصل بك إلى كل شيء؛ إلا المدينة التي عرفتها، أو قرأت عنها، أو تصورتها وأنت تقرأ شيئاً من سيرتها في مدونات الكاتبين.
ولن يعدم محاوروك حججاً تفحمك؛ إذا ما طفقت تسأل عن مبررات ذلك ودواعيه، وسيحثون في وجهك مسوغات تبيح لهم ما استباحوه من كيانها، بمنطق لا يستقيم وروح ظمأى تحاول القبض على ما تبقى من ملامح مدينة استقرت في ذاكرتك وجوداً ومعاني لا يدركون فحواها.
هي فعلاً مدينة ذلك البطل الحي (عباس) في رواية (الطيبون والقاع)، الذي راعه تبدد ملامح ذكرياته ومعالم مدينة كانت تعرفه، فبات ينكرها، لأنه لم يعد يجد فيها ما ألفه من حيوات. وما حفظته أمكنته فيها من حكايات ومعانٍ وتفاصيل.