السيد نوري المالكي، رئيس وزراء العراق منذ عام 2006، لديه علاقة متناقضة مع غالبية الشعب العراقي الذين هم من طائفته الشيعية. من ناحية، من الواضح أن البلد الذي يحكمه منذ ثماني سنوات فشل تماما في تلبية مطالب وآمال الناس بعد الإطاحة بنظام الرئيس السابق صدام حسين في عام 2003. الحياة اليومية للعراقيين العاديين الخاضعين لحكم بغداد، بغض النظر عن طائفتهم وديانتهم، تطاردهم أحداث العنف وانعدام الأمن، ويعيشون في دولة فاسدة إلى درجة كبيرة لا تستطيع مؤسساتها أن توفر إمدادات كهرباء يمكن الاعتماد عليها أو حتى مياه شرب نقية.
من ناحية ثانية، عندما بدا أن بغداد نفسها معرضة للخطر من تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش)، ترك رئيس الوزراء نوري المالكي الأمان النسبي الذي يوفره له مجمع رئاسة الوزراء في بغداد واتجه شمالا إلى مدينة سامراء ليقود بنفسه المعركة لصد هجوم داعش. المفارقة الكبيرة في مواقف المالكي، الذي يحكم دولة فاشلة وفي نفس الوقت يحشد الجيش للدفاع عن عاصمتها، وسعيه المستمر لتحقيق مصالحه السياسية، هي السبب في بروز وتقوية تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام، وهو بروز فرض شعورا كبيرا من الخوف على الغالبية الشيعية في العراق.
المالكي تم اختياره رئيسا للوزراء في الأساس لأن الغالبية لم يكونوا يعتقدون أن هذا الناشط السياسي الغامض يمكن أن يشكل خطرا على باقي أفراد النخبة السياسية في العراق. لكنه سرعان ما تحرك بقوة ليركز السلطات في يده. كان نجاحه في الحصول على السيطرة الشخصية على القوات المسلحة وأجهزة الأمن والاستخبارات هو السبب الرئيس في تصاعد موجة أعمال العنف وانهيار الجيش بشكل سريع في الموصل عند وصول تنظيم داعش.
منذ عام 2007، بدأ رئيس الوزراء العراقي في الالتفاف على سلسلة القيادة العسكرية في الجيش العراقي، حيث بدأ يعين كبار الضباط الموالين له في مواقع حساسة، حتى لو لم يكن هؤلاء الضباط يمتلكون مهارات مميزة أو سيطرة على مرؤوسيهم. بعد ذلك بدأ في تطهير أجهزة الأمن والاستخبارات العراقية من الضباط والمسؤولين الذين لم يكونوا موالين لحزبه السياسي. وكانت النتيجة تشكيل جيش لا يمتلك الكثير من المعلومات الضرورية، ويفتقر إلى روح العمل الجماعي، ويقوده أشخاص تم تعيينهم لأسباب سياسية، ولذلك هربوا من ساحة المعركة في الموصل عند إطلاق الرصاصة الأولى تاركين جنودهم ليدبروا أمورهم بأنفسهم.
لم يفعل السيد المالكي أي شيء ليصد موجة الفساد التي كانت تجتاح طبقة النخبة السياسية في العراق منذ الغزو الأمريكي في 2003. بدلا من ذلك، أصبح الوصول غير العادل إلى سخاء الدولة أداة لضمان وشراء ولاء الآخرين.
عدم الرضا عن فشل الدولة، والفساد، والتنافر بين أعضاء الحكومة وصل إلى الذروة في انتخابات شهر مارس 2010، عندما فاز ائتلاف العراقية الذي كان يقوده إياد علاوي على تحالف «دولة القانون» بقيادة المالكي. خلال تلك الانتخابات ومنذ ذلك الوقت استخدم المالكي خطابا طائفيا واضحا لتحويل الانتباه عن فشل محاولات الدولة في الحصول على تأييد الغالبية الشيعية في العراق لحكمه. من خلال توجيه الاتهامات إلى خصومه السياسيين على أنهم بعثيون متنكرون، وبعد ذلك على أنهم إرهابيون كان المالكي يحاول شيطنة السياسيين السنة ويتهمهم بالتواطؤ في جرائم نظام الرئيس العراقي السابق صدام حسين ودعم الجماعات السرية التي نشرت الرعب في العراق.
هذه الحملة لكسر المعارضة البرلمانية وفي نفس الوقت حشد الغالبية الشيعية خلف حكمه وصلت ذروتها في ديسمبر 2012، حيث قامت قوات الأمن العراقية بمداهمة منزل رافي العيساوي، أبرز سياسي من لائحة العراقية في مجلس الوزراء العراقي، بعد اتهامه بمساندة الإرهاب. تم إجبار العيساوي على ترك الحكومة ومن ثم مغادرة البلد، مما أدى إلى قيام احتجاجات شعبية واسعة في شتى المناطق السنية في العراق. هذه المظاهرات قمعها الجيش العراقي، مما أبعد العراقيين السنة عن الحكم في بغداد وجعلهم يشعرون بالاضطهاد من قبل الحكومة والأجهزة الأمنية.
المالكي وضع نفسه الآن في مركز الحملة لقهر التمرد الذي تقوده الدولة الإسلامية في العراق والشام، وهو تمرد ساعدت سياساته على احتضانه وتطويره.
على مدى السنتين الماضيتين، دعا سياسيون بارزون من الشيعة مثل عمار الحكيم ومقتدى الصدر إلى إزاحة المالكي. ولكن بسبب التهديد من داعش، تم إسكات هذه الدعوات حيث احتشد الجميع وراء المالكي لقتال العدو المشترك. مرة أخرى، وبالرغم من أنه كان سبب المشكلة، عزز رئيس الوزراء العراقي موقعه مدعيا أنه يمثل الحل.