يدور الحديث كثيرا حول مستقبل المفاوضات بين إيران والقوى العظمى حول الملف النووي الإيراني والنتائج المتوقعة لهذه المفاوضات وأثر ذلك على الداخل الإيراني.
ولعل الأسئلة الأكثر بروزا هنا: هل ستعوض نتيجة المفاوضات خسائر إيران طيلة السنوات الماضية؟ وهل ستقود نتائج هذه المفاوضات إلى تقوية أسس النظام الإيراني أو إضعافها؟

الشيطان الأكبر

تروج إيران كثيرا لموقفها “المعادي” للغرب وللولايات المتحدة التي تصفها في أدبياتها الثورية بـ”الشيطان الأكبر”، ومع كل هذا تعد الولايات المتحدة طرفا رئيسا في المفاوضات مع إيران بسبب مكانتها وقوتها.
وكشفت عملية المفاوضات النووية أن إيران تسعى من خلالها للوصول إلى اتفاق مع واشنطن في المقام الأول، ومن هنا فتحت قناة المفاوضات المباشرة مع واشنطن بوساطة من قبل سلطنة عمان.
نعلم أن إيران ودول مجموعة (5+1) توصلت بعد عدة جولات من المفاوضات إلى اتفاق مبدئي في نوفمبر 2013، وتم تمديد ذلك حتى نوفمبر 2014 ، لكنها لم تنجح في الوصول لاتفاق شامل ودائم خلال المهلة المحددة، فتم تمديد الاتفاق المبدئي لمدة سبعة أشهر (يوليو 2015).
وسريعا، بدأت جولة جديدة من المفاوضات في مدينة فيينا في 14 يناير الماضي بمحادثات بين وزيري خارجية إيران وأمريكا وانتقلت بعد ذلك إلى جنيف.
كما استمرت المفاوضات في جولة أخرى استضافتها إسطنبول التركية ولكن دون نتائج حقيقية تذكر حتى الآن.

سيناريوهات محتملة

وهناك ثلاثة سيناريوهات محتملة لمستقبل المفاوضات النووية.

  • 1 ـ الوصول إلى نتيجة إيجابية وتوقيع اتفاقية شاملة.
  • 2 ـ فشل المفاوضات.
  • 3 ـ استمرار المفاوضات لجولات أخرى بعد إقرار اتفاق موقت آخر.

وفقا للمعطيات حتى اللحظة، يبدو أن الخيار الثالث هو الأكثر احتمالا رغم أن طهران وواشنطن لا تسعيان إلى ذلك لأسباب عدة.
هذا الخيار يمكن أن يكون جديا فقط في حالة عدم التوصل لاتفاق نهائي، وبالتالي فهو خيار أفضل من إعلان فشل المفاوضات والذي سيقوي الأحزاب الأصولية الإيرانية والأمريكية على حد سواء، الأمر الذي لا ترغب حكومة أوباما أو حكومة روحاني في تحققه، كما أن هذا الخيار يصب أيضا في مصلحة الحرس الثوري والشركات التابعة للمؤسسة العسكرية التي تسيطر على جزء كبير من الاقتصاد الإيراني وتجارة النفط وعمليات التهريب.
من جانب آخر، يعني الوصول إلى اتفاق نووي نهائي، ربما، أن على إيران إعادة النظر في مصداقيتها في السياسة الخارجية وآلية تعاملها مع دول المنطقة، الأمر الذي يخدش صورة إيران لدى أنصارها بالمنطقة، خاصة أنها اعتمدت في أسسها على إظهار العداء للغرب خاصة الولايات المتحدة.

المرونة البطولية

وبالفعل بدأت وسائل الإعلام الرسمية وخاصة المقربة من المرشد بحملة إعلامية واسعة على وسائل الإعلام المقربة من حكومة روحاني، كما وجهت انتقادات حادة لوزير الخارجية محمد جواد ظريف بسبب انتشار بعض الصور التي تظهره يسير إلى جانب نظيره الأمريكي في أحد شوارع جنيف بعد أيام قليلة من العمل الإرهابي الذي ضرب العاصمة الفرنسية باريس.
وعلقت الصفحة الرسمية لخامنئي على الصورة بالقول “تقع أقدام ظريف وكيري خلال سيرهما في شوارع جنيف على نقاط وهمية”.
وكان أحد أهم أهداف هذه الحملة هو التمهيد لخلق تصور أن الوصول لأي اتفاق نهائي جاء وفق سياسة خامنئي المعروفة بـ “المرونة البطولية”، وأن أي فشل للمفاوضات سيكون بسبب وقوفه في وجه “الغطرسة الأمريكية”.
تحطم السفينةفي هذا الصدد، توقعت مؤسسة الاستثمار الدولي التي تضم أكبر المؤسسات المالية في العالم أنه في حالة عدم التوصل لنتيجة إيجابية في المفاوضات النووية فإن “السفينة ستتحطم” وسيغرق الاقتصاد الإيراني.
في هذا التقرير الذي نشر في ديسمبر الماضي تم توقع تعرض الاقتصاد الإيراني لـ “الشلل” تأثرا بالعقوبات المفروضة على إيران، والتي قد تزيد وطأتها، وقد يتم فرض عقوبات جديدة على الاقتصاد الإيراني وصادرات طهران النفطية في ظل الهبوط الحاد لأسعار النفط.
ووفقا لتقديرات المؤسسة، فإنه في حالة فشل المفاوضات فقد ترتفع نسبة البطالة في إيران على أقل تقدير 4 أضعاف النسبة الحالية خلال سنة واحدة.
وفي المقابل، يعتقد بعض الخبراء أن رفع العقوبات لن يؤدي وحده لازدهار الاقتصاد وثباته، وأن ذلك منوط بتغيير حال التجارة والعمل في إيران، والتحكم بالأنشطة الاقتصادية والمالية لمؤسسات الدولة البعيدة عن سيطرة الحكومة.

غضب شعبي

يتجاهل الأصوليون أن الفشل المحتمل للمفاوضات قد يعجل بعملية انهيار الاقتصاد الإيراني، ويركزون على أهمية فشل حكومة حسن روحاني التي ربطت وعود التحسن الاقتصادي بحل الأزمة النووية.
في هذه الحالة سيلقي الشارع الإيراني والتيار الإصلاحي لوم فشل الحكومة على المرشد الأعلى، وقد يبرز إلى السطح الغضب الشعبي خاصة فئة الشباب التي منحت صوتها في الانتخابات الرئاسية لروحاني في انتخابات 2013 لكي ينقذ البلاد من الدمار الاقتصادي والعزلة السياسية.
بعبارة أخرى، سيواجه الفشل المتوقع للمفاوضات غضبا عارما بسبب معارضة خامنئي أو عرقلة المفاوضات من قبل التيار الأصولي خاصة الحرس الثوري، الأمر الذي قد يقود لهز سيطرة المرشد وولاية الفقيه المطلقة.

الاستفتاء النووي

تفاديا لهذا الفشل، هدد روحاني في خطاب له خلال ندوة اقتصادية في طهران يوم 4 يناير الماضي باللجوء إلى تحكيم الرأي العام الإيراني عبر خيار “الاستفتاء النووي”.
وعلى الرغم من أن روحاني وحكومته يؤكدان دائما على أن المفاوضات النووية “تسير وفق توجيهات المرشد الأعلى وأوامره”، إلا أن التهديد باللجوء إلى الرأي الشعبي يعني أن الأغلبية الشعبية تطالب بحل الأزمة النووية.
وإذا ما اتخذ روحاني هذه الخطوة، (أشك في ذلك) فإنه سيحد من قوة خامنئي صاحب القول الفصل في جميع القضايا المهمة، ويكشفه أمام الشارع الإيراني ويعزز من مكانته (روحاني) لدى الشعب ويخرجه من مأزق عدم الوفاء بوعوده الانتخابية.
عموما، ستشهد الساحة الإيرانية خلال الفترة التي تفصلنا عن انتهاء مرحلة تمديد المفاوضات مزيدا من الصراعات السياسية بين التيارين الأصولي والمعتدل، وستزيد الضغوط على الرئيس روحاني بسبب فشله حتى الآن في الوفاء بأي من الوعود التي قدمها للناخبين في منتصف 2013 وقادته إلى الفوز بالانتخابات وعلى رأسها حل أزمة الملف النووي والبطالة وكبح جماح الأسعار والانفتاح على دول المنطقة.
كما أن التيار الأصولي يخشى خسارة مكتسباته إذا ما نجح روحاني في معركته الداخلية والخارجية.
والواقع أن الشعب الإيراني كان ولا يزال الخاسر الأكبر من هذه الصراعات منذ انتصار الثورة قبل 36 عاما.