كتبت عن المخدرات أكثر من مرة، ولم أكن الوحيد حتى وإن كنت قد تناولت القضية من جانب المسكوت عنه من حيث امتداد بلائها وشرها للنساء. كتبت ما استطعت بشكل عام لتسليط الضوء على هذه العلة كظاهرة دخيلة بحمولة سوء وخطورة على المجتمع السعودي المحافظ. وقصدت وما زلت التنبيه لسوء الآثار المترتبة على انتشارها في أوساط المجتمع، لما تشكله من تهديد على أمنه وسكينته، وأيضا لما لطبيعة المتعاطي ووصوله إلى مرحلة الإدمان من صعوبات وتعقيدات في طريقة التعامل معه في المحيط الأسري، ويمكن قول المحيط المجتمعي إذا نظرنا للقضية من بُعدين، أولهما فيما يشكله المتعاطي من خطورة على نفسه، والآخر فيما يشكله من خطورة على المجتمع ككل. ولم يكن من الإنصاف آنذاك والآن إغفال ذكر دور الجهات المسؤولة عن ضبط المخدرات ومكافحتها، والتنويه عنه بفخر واعتزاز في ضوء الجهود المبذولة التي تؤكد أن الأجهزة الأمنية أبلت بلاء حسنا في سد أبواب شر المخدرات وما زالت تعمل وتعمل ولن تتوقف. والحقيقة التي يصعب تخطيها والحديث يدور عن الشر والتضحية في سبيل صده عن أبناء وبنات الوطن أن ثمة من نذر نفسه من رجال الأمن ودخل قائمة الشهداء في عمليات مواجهة المهربين والمروجين.
اليوم يجوز القول إن الجميع في حالة اتفاق على أن المملكة مستهدفة بالمخدرات كنوع من أنواع الحروب الباردة شديدة التأثير. وفي كل الأحوال يظل الشباب ـ ذكورا وإناثا ـ هم الهدف المقصود، بصفتهم الفئة التي تشكل قوة الوطن، وشل فكرهم وإضعافهم عقليا وجسميا، مما يعني بالتالي تحويلهم إلى أدوات في يد الغير، وهذا إلى حد بعيد واضح في مؤشر تصاعد كميات المضبوطات وتنوعها باتجاه المادة الأسرع والأكثر تأثيرا. في العموم، الواقع يقول هذا والمجتمع السعودي لا شك يلتف حول المفهوم ويزداد مع الأيام قناعة، وكلما زادت المضبوطات زاد الحراك، وكلما تنوعت عمليات التهريب والترويج بالتدرج نحو التعامل بالنوع الأخطر تمددت التساؤلات، واتسعت دوائر القلق الرسمي، إلى جانب قلق مؤسسات المجتمع المدني، وكل عقلاء المجتمع مشمولون بالقلق لا شك.
الجديد الخطير اللافت للنظر الجمعي كما يفترض، ما أعُلن عنه رسميا بشأن ضبط أكثر من نصف طن من «الكوكايين». وفي تفاصيل الخبر المنشور في هذه الصحيفة عدد 162 أن وزارة الداخلية كشفت عن ضبط حاوية عبوات ورق تصوير منقولة في باخرة تجارية بميناء جدة الإسلامي على متنها أكثر من نصف طن من الكوكايين النقي، وحالت دون تمريرها إلى المحطة المقصودة.
ويبقى المهم في كل الأحوال لا يخرج من ضرورة تكاتف المجتمع مع المؤسسة الرسمية لمكافحة هذه الآفة لما للمشاركة المجتمعية في هذا الشأن من آثار إيجابية على أكثر من صعيد. المجتمع مسؤول بالدرجة الأولى عن مساندة الدولة في التصدي للمخدرات التي تُرتكب بأسباب تعاطيها أكثر الجرائم الأخلاقية غرابة، وأكثر الجرائم الجنائية بشاعة وقدرة على هز المجتمع وإقلاق مضجعه. وإذا كانت المسؤولية الوطنية والدينية قبلها تقول لا عذر للمجتمع في التراخي عن دوره في مساندة الدولة على أرض الواقع في مكافحة المخدرات، فإنها تقول الشيء نفسه عن الإرهاب.
ويبقى السؤال المتحرك في جوف المرحلة الراهنة بكل تداعياتها، من الذي يستقبل المخدرات بهذه الكميات الضخمة في الداخل، ومن هم تجار تجزئة الدمار؟
لن أسأل في الختام عما إذا كان المجتمع السعودي يشكل بالفعل قوة شرائية «للكيف» في ظل وجود السؤال الأكثر سخونة، هل بالإمكان الإفصاح عن هويات تجار الدمار؟
تعزيز التحديات ودعم خطورة المرحلة!
مانع اليامي3 دقائق للقراءة

حجم الخط
