في الحرب ضد الجهاديين في شتى أنحاء العالم، تستطيع الولايات المتحدة أن تقدم لشركائها كثيرا من المساعدة: السلاح والاستخبارات، والتدريب للقوى الأمنية المحلية، والمساعدة الاقتصادية، وفي الحالات الخاصة، ضربات جوية للقضاء على الأشرار. لكن الحلفاء هم الذين عليهم أن يقاتلوا ويموتوا.
بعد أكثر من عقد من الصراعات التي تعرضت فيها القوات البرية الأمريكية للخطر، تنتقل الولايات المتحدة إلى مقاربة جديدة لا تتدخل فيها بشكل مباشر في حربها ضد الجماعات المتشددة المرتبطة مع القاعدة. في أفغانستان، أعلن أوباما عن تقليص كبير في عدد القوات، وفي نيجيريا، وباكستان، والصومال، واليمن، تتدخل الولايات المتحدة بشكل رئيس عن طريق استخدام الطائرات بدون طيار أو أعداد قليلة من الجنود لتدريب القوات المحلية.
الآن، مع اجتياح المسلحين التابعين لتنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) المدن العراقية، تدرس إدارة أوباما زيادة المساعدة العسكرية لهذا البلد الذي اعتقد الأمريكيون أنهم تركوه. هذه المقاربة يبدو أنها توازن بين المخاطرة والعمل، والتي قال عنها أوباما «تمكين الشركاء». الحكومات الوطنية لديها مصالح أقوى من الولايات المتحدة في هزيمة حركات التمرد التي تجتاح بلدانهم. المساعدات الأمريكية تساعد في جعل جيوشهم أكثر فاعلية، وتقوي اقتصادها، وتحقق إصلاحات سياسية.
لسوء الحظ، هناك عيب عميق في هذه الاستراتيجية. غالبا ما يكون الحلفاء الذين نسعى إلى مساعدتهم يعانون من عيوب عميقة: فاسدون، وطائفيون، وقمعيون. وهذا هو الحال في العراق حاليا.
وجود الحركات المتمردة ليس عشوائيا. مثل هذه الحركات تبرز ليس فقط بسبب المظالم والإيديولوجيات ولكن أيضا بسبب ضعف حكومات بلدانها. القيادة السياسية، حتى لو كانت مُنتخبة ديمقراطيا، تعدّ عادة غير شرعية من قبل شريحة واحدة كبيرة من السكان. كما أن بعض الجماعات، سواء لأسباب إثنية أو قبلية أو دينية، تستفيد من خيرات الحكومة وتتمتع بالفرص التعليمية والاقتصادية، فيما تُحرم جماعات أخرى من ذلك. السياسيون يعتمدون على الفساد لمكافأة مؤيديهم وضمان ولائهم.
بعض الحكومات قد تفضل حتى وجود تمرد على مستوى منخفض لأن ذلك يساعد على توحيد المؤيدين ويسمح للنظام بالاستمرار في الحصول على المساعدات الخارجية. رئيس وزراء قرغيزستان السابق كرمانبيك باكيف، على سبيل المثال، قال مرة إن الوجود الأمريكي في بلده «منجم ذهب».
من ناحية أخرى، بعض القادة السياسيين يعدّون أن أخطر تهديد عليهم هو احتمال حدوث انقلاب ضدهم من قبل ضباط في الجيش. لحماية أنفسهم، يمنح القادة المدنيون المناصب العسكرية العالية لضباط موالين لهم. كما يتم تشجيع الخلافات بين القادة العسكريين وسجن البارزين فيهم لضمان عدم حدوث تنسيق في عملياتهم. قد يكون هذا أسلوب ماكر لمنع انقلاب، لكنه ليس مفيدا لمحاربة حركات التمرد. في هذه الحالات، يعتمد السياسيون على وحدات عسكرية مختارة لحماية استمرارهم في السلطة؛ أما الوحدات الباقية فإنها يمكن أن تنشق أو تبيع أسلحتها للمتمردين أو تهرب عندما تبدأ المعركة. الوحدات المختارة يعدّها الناس العاديون عادة على أنها معادية. ولذلك ليس من المفاجئ أن الوحدات الموالية للنظام تكون عادة وحشية وتعدّ الشعب المعادي لها خطرا على وجودها.
الاضطهاد يزيد الولاء لحركات التمرد.
من خلال مطالبتها بإصلاحات ديمقراطية في هذه الظروف، تهدد الولايات المتحدة سلطة الحكومات الوطنية. وبمطالبتها بحقوق الأقليات، تقوض الولايات المتحدة مزايا الجماعات المهيمنة. وبالدعوة إلى إنهاء الفساد، تحد الولايات المتحدة قدرة القائد على مكافأة مؤيديه. وبالمطالبة بإصلاحات عسكرية، هناك خطر تحول الجيش إلى أقوى مؤسسة في بلد ضعيف وبذلك يزداد احتمال حدوث انقلاب. ولكن إذا لم تقم الحكومات الحليفة بإجراء إصلاحات، سيستمر التمرد وتُتهم الولايات المتحدة بدعم دكتاتور.
جميع هذه المشاكل واضحة في العراق. رئيس الوزراء نوري المالكي استبعد السياسيين السنة المعتدلين عن السلطة، مما جعل الناس أكثر تعاطفا مع المتطرفين. الفساد منتشر بشكل هائل في العراق. الجيش تعرض للتسييس. استخدم الجيش أساليب وحشية لقمع الانتفاضة السنية في العام الماضي. الفرار الجماعي الذي شهدناه مؤخرا ناتج عن فساد الضباط وفقدان ثقة جنودهم بهم.
تاريخيا، الولايات المتحدة تتردد في اتخاذ خطوات لحماية مصالح محدودة في الخارج. للحصول على تأييد محلي لأي عمل، يجب على الرئيس أن يثبت أن المصالح الأمريكية الحيوية معرضة للخطر. الرئيس أوباما يعدّ تقليص التدخل العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط إنجازا هاما لفترة رئاسته. إذا اختار التدخل في العراق مرة أخرى، فعليه أن يلاحظ أنه يختار بين الأشرار وبين حكومة سيئة.