فيما يتفاعل رواد المواقع الاجتماعية ومتابعوها مع خبر يأتي من هنا أوهناك عن طفلة تزوجها رجل بعمر أبيها ويروحون يكيلون نقداً في كل اتجاه، يعمل خبراء عالميون على مستوى العالم على معالجة هذه الظاهرة بشكل أدق مبني على دراسات علمية بعيداً عن العواطف الجياشة والانفعالات السريعة.
فالدول والخبراء الذين يتصدون لتلك الظاهرة ينطلقون من معلومة تفيد بأنه إذا استمرت هذه الممارسة، فسيبلغ عدد الفتيات المتزوجات قبل سن البلوغ، 142 مليون فتاة خلال العقد التالي فقط. ويستنتج العلماء من هذا الرقم خلاصة مفادها أن زواج القاصرات يهدد التطور العالمي.
بحسب تقرير لمجلس العلاقات الخارجية الأمريكي، أدركت واشنطن في السنوات الأخيرة التهديد الذي يفرضه زواج الأطفال على تنمية الولايات المتحدة وأهداف السياسة الخارجية. وفي 2012، أصدرت إدارة أوباما استراتيجية للتوجه نحو العنف العالمي ضد النساء بما فيها زواج الأطفال. وفي السنة ذاتها، طلبت وزارة الخارجية الأمريكية للمرة الأولى، من كل السفارات التبليغ عن زواج الأطفال كجزء من تقريرها السنوي عن حقوق الإنسان، في حين أصدرت الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية إطاراً للسياسات التي تتوجه لزواج الأطفال عبر برامج الولايات المتحدة التنموية.
وفي 2013، سن الكونجرس بندا تحت إعادة تصريح قانون العنف ضد المرأة والذي يتطلب من سياسة الولايات المتحدة، منع زواج الأطفال حول العالم.

تحرك عالمي

وعلى الصعيد العالمي، جرى التعرف على زواج الأطفال كعائق جدي أمام تحقيق أهداف التطور العالمي. وفي 2012 في يوم الأمم المتحدة العالمي للطفولة، استرعى الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون، الانتباه العالمي إلى التأثيرات السلبية التي يتضمنها زواج الأطفال على الاستقرار والازدهار، وحثّ القادة المحليين والإقليميين والدوليين على التوجه لهذه المشكلة.
وفي العام الماضي، استدعى الفريق الرفيع المستوى التابع للأمين العام للأمم المتحدة المعني بجدول تنمية ما بعد 2015، التزاما دوليا لإنهاء زواج الأطفال، حيث عُين الفريق لتشكيل جدول التنمية الدولي الذي سيقوم باستبدال الأهداف الإنمائية للألفية عند انتهاء صلاحيتها في 2015.
ومن أجل هذا اجتمع في يناير أكاديميون ومؤيدون وقادة دينيون في حدث نظمه مجلس العلاقات الخارجية لمناقشة العلاقة بين الدين وزواج الأطفال.
وعلى رغم أن معدلات زواج الأطفال العالمية في هبوط، إلا أن التقدم في كبح هذه الممارسة كان بطيئا للغاية. وتقدر الأمم المتحدة أن 1 من كل 3 نساء من أعمار 20 إلى 24 تزوجن تحت سن 18، أي ما مجموعه 70 مليون امرأة، ونحو 23 مليونا تزوجن تحت سن الـ15، وبعضهن تزوجن في سن مبكرة بين 8 سنوات أو9 سنوات.

آثار رهيبة

وينتج عن زواج الأطفال آثار رهيبة أبرزها رداءة الصحة، والانقطاع عن التعلم، والعنف، والفوضى. وكل هذه الآثار تهدد التطور العالمي، والازدهار والاستقرار.
وغالبا ما يتم إلقاء اللوم في شيوع زواج الأطفال على الدين. ولكن من الملاحظ أن هذه الممارسة ليست فريدة بدين معين، بل في الواقع تحدث عبر الأديان والمناطق.
فمثلا في الهند، حيث يوجد 40 % من عرائس الأطفال في العالم، يسود زواج الأطفال لدي المسلمين والهندوس على السواء.وفي بوركينا فاسو وإثيوبيا، يمارس زواج الأطفال من قبل المسيحيين والمسلمين على حد سواء.
ووجد تحليل قام به مركز الأبحاث الدولي، على النساء أن الثابت حول البلاد فيما يخص المعدلات العالية لزواج الأطفال ليس امتثالا لدين بعينه، بل بعوامل مثل الفقر وفرص التعليم المحدود للفتيات.
كما يختلف شيوع زواج الأطفال بشكل كبير حتى بين البلاد التي دمجت مذهبها الديني في نظامها القانوني. حيث تحمل بعض البلدان التي يسود فيها الإسلام والتي تطبق نظام الشريعة، معدلات زواج أطفال منخفضة نسبيا مثل ليبيا والجزائر، بينما في بلدان أخرى تمارس قانون الشريعة مثل اليمن تعد هذه الممارسات غزيرة.
ويبقى زواج الأطفال منتشرا بشكل كبير في الدول النامية، ويستمر في تأثير غير مناسب على الفتيات معرضا حياتهن وبقاءهن للخطر. وهذه الممارسة المتأصلة في جذور العادات الثقافية والفقر لا تنتهك قوانين الحقوق الإنسانية فحسب، بل تهدد التطور الاقتصادي والاستقرار أيضا.

جغرافية المشكلة

يتعدى زواج الأطفال كل الحدود الإقليمية والثقافات. حيث تبلغ نسبة زواج القاصرات عبر البلاد النامية 1 لكل 3 فتيات ممن تزوجن قبل سن الـ18 و1 لكل 9 فتيات ممن تزوجن تحت سن الـ15.
عالمياً سن الـ18 هو السن القانوني للزواج، ولكن العديد من البلدان تسمح بالزواج للأشخاص تحت هذا السن شرط موافقة الوالدين والسلطات القضائية. ثلاث دزينات من البلدان تقريبا تسمح بالزواج للأطفال في سن الـ15 أوأقل شرط موافقة الوالدين. وبلدان أكثر تسمح بزواج الفتيات (مع الموافقة) في سن أصغر من سن الفتيان، مما يوضح أن الزواج المبكر ظاهرة تتأثر بالجنس.
وتظهر الدراسات التي أجرتها الأمم المتحدة وعدة مؤسسات غير حكومية صورة ديموجرافية حول زواج الأطفال:
احتمال زواج الأطفال في المناطق الريفية يبلغ ضعف هؤلاء اللاتي يسكن المناطق المدنية.
أغلب الاحتمال أن الفتيات اللاتي تزوجن هن من العائلات الفقيرة.
الفتيات اللاتي تزوجن وهن قاصرات أقل تعليما إما لعدم وجود الفرصة للتعلم أوانقطاع تعليمهن بسبب الزواج.

التأثيرات

يجبر الزواج الفتيات نحو عالم الكبار قبل أن تكن ناضجات جسديا، مما يؤدي إلى تأثيرات مؤذية تصب في مضرة الفتيات الأصغر سنا. عندما تتزوج الفتيات في سن صغير، فإن صحتها العاطفية والتعليم وكسب الدخل كلها أمور تتعرض للخطر. كما أنهن عادة لا يحصلن على أي دعم في حال حاولن الخروج من هذا الوضع. والاستعجال في محاولة الإنجاب يجعل الفتيات القاصرات معرضات لمضاعفات الحمل والولادة. كما أن الأطفال المولودين لقاصرات أكثر احتمالا للوفاة من هؤلاء لمن هن فوق سن الـ20.      


.. والسعودية بين هند ونوف

عندما كانت هند مسعود في السنة الأخيرة من المرحلة المتوسطة، اضطرت إلى إخفاء زواجها عن زميلاتها في المدرسة، لأن أمهات الطالبات يمنعن بناتهن من مرافقة الطالبة المتزوجة، وكذلك لتهرب من أسئلة الفتيات ونظراتهن إليها.
وتقول إنها كانت أيضا كثيرة الغياب بسبب زواجها المبكر، ما أثر في مستواها الدراسي، وتأخرها في إكمال الدراسة في وقتها المحدد، وتضيف: لو كان الأمر بيدي لما تزوجت قبل إكمال دراستي.
إلا أن نوف خالد التي تزوجت وهي في المرحلة الثانوية، عدت الأمر ضربا من الحظ الجيد، لأنها ترى أن المطاف سينتهي بها في عش الزوجية.
وبين هند ونوف، ينقسم المجتمع السعودي حيال زواج القاصرات بين مؤيد ومعارض، وهي مسألة لا تزال تلقى جدلا واسعا، يزداد وينخفض وفقا لحالات الزواج التي تتحول إلى قضية رأي عام، وتتدخل فيها الجهات الحقوقية والاجتماعية.

الوقت المناسب

وتقول مستشارة العلاقات الزوجية والأسرية الدكتورة أريج داغستاني إن زواج الطالبات في المرحلة المتوسطة والثانوية يعد عادة سلوكية لا تتناسب مع كل وقت، بل لها أوقات محددة تتناسب معها، فإذا كانت الطالبة مؤهلة نفسيا للزواج بأن يكون لديها قاعدة تأهيلية تخولها تحمل المسؤوليات في منزل أسرتها، فإن ذلك يسهم في نجاحها كزوجة في تحمل المسؤوليات الزوجية وهي في سن صغيرة، فالمسؤوليات الصغيرة تؤهل للمسؤوليات الكبيرة.
وترى أن الطالبة بمجرد بلوغها، سواء في المرحلة المتوسطة أو الثانوية تكون جسديا مؤهلة للزواج، فالفتاة نفسيا في مرحلة المتوسط والثانوي تحتاج لشريك يستوعبها ويحتويها، لكن يترتب على ذلك أمور أخرى خاصة بالشريك، حيث يجب أن يكون مؤهلا لهذه المرحلة، لأنها مرحلة تكون فيها الزوجة قريبة من الصديقات، وسريعة التأثر بهن، وقريبة من حياة الانطلاق، فالقيود عليها متعبة قليلا، فكلما كانت شخصية الشريك مرنة وملمة بالواجبات، كان الارتباط بينهما مريحا ومتكافئا.
وتؤكد داغستاني أن على الطالبة المتزوجة أن تعرف حدود العلاقة، بحيث لا تفشي أسرار الزوجية الخاصة وتنشرها بين الطالبات الأخريات.