سئلت عن مستقبل مكة المكرمة، فقلت: المستقبل بيد الله -سبحانه وتعالى- وإذا اتفق لي أن أحدس بشيء من معالم ذلك المستقبل، فإنني لا أرى سيدا له إلا “البلدوزر”، يجثم على صدر جبالها الشماء التي تناطح قننها عنان السماء، ثم لا يبرحها إلا وقد دكها دكا، وسواها بالأرض. وقاصد أم القرى يدهش لتلك الآلة الصغيرة التي يلتصق منها الآحاد والعشرات بجبال مكة، فتوسعها نقبا وحفرا وهدما، وتهيج السماء نقعا وقتاما، وتبدل من حال المدن فوق ما تطيقه الجغرافية والتاريخ والثقافة، وتستميت في تذويب روح المدن، ولا تدعها إلا وقد نهكت وأعييت.
اعتدت في طريقي إلى مكة، وهو معهود مألوف، أن أتخيل لكل جبل تاريخا، وأن أظل، طوال سيري، دهشا متأملا، وكأنني أبحث عن شيء ما، وفي الحق إنني أبحث عن شيء لا أكاد أستبينه، ولكنه يستكين في نفسي وفي عقلي، ويختصر في ذاكرتي كل أزمنة مكة، وكنت كمن يحس أن للمدن مفاتيح، وأن مفاتيح مكة المكرمة جبالها وشعابها، تلك التي تأخذ بيدك من أي ناحية أتيت إلى روحها وقلبها: المسجد الحرام، فمكة تقع في واد غير ذي زرع، عند البيت المحرم، ومن ذلك البيت تبدأ قصة مكة لمن تأمل تاريخها وروحها وشخصيتها، فالحرم، في بنائه وهيئته ورموزه، يلقي بأثره على المكان ومن حل فيه، ولأمر ما رسمت خطط مكة، منذ الجاهلية، على وفاق ما بينها وبين البيت العتيق من قرب.

طالما قيل: إن مكة تبث في أهلها، وفيمن قصدها وجاورها، معنى التنوع، وأنها تعبر عن فسيفساء مدهشة، قوامها أجناس وألوان وثقافات صبت في شخصيتها وروحها، وأظن اليوم أن ذلك الروح سينضوي، فالمدن إنما تستمد شخصيتها الاجتماعية من مركزها، ومركز مكة ذاب وامحى، وأخشى أن يظلنا زمان، لا يحس فيه الحجاج أن أفئدتهم تهوي إلى أهلها، فلا أنيس هناك ولا سامر، فأهل البطاح انتشروا في الظواهر، ولا أثر في واديها إلا الصروح والنواطح.

[email protected]