كانت خطبة الجمعة الماضية في المسجد النبوي الشريف رائعة بكل ما تحمله الكلمة من معنى، اتسمت بالإيجاز وكان لا تنقص عباراتها البلاغة والإعجاز، وجاءت في توقيتها مدركة لمبتغاها محققة لأهدافها.
فقد تحدث فضيلة الشيخ صلاح البدير عن رمضان، وكيف أن من المتيقن عند كل مسلم أنه شهر المغفرة والرضوان، وفيه يصفد المارد من الجان، ويخسأ الشيطان فلا يصل إلى ما كان يصله قبل رمضان.
لكن مشكلتنا تكمن مع بني الإنسان، وفيهم فئة تفوق الشيطان في أساليبه ويتجاوز مردتهم في أكاذيبه، فبات ضررهم يستشري في المجتمعات مما زاد في الآهات وارتفعت معه حدة الزفرات.
وقد وجه الشيخ البدير نداء إلى التجار بأن يتركوا الطمع والجشع، وبخاصة في هذا الشهر الذي لم يتبق على هلاله سوى بضعة أيام، وألا يغالوا في الأسعار، بعودة صادقة إلى الله، وأوبة وتوبة.
إن من يتابع ما يجري في هذا الشهر يجد الكثير من المآسي، فالتعامل معه ليس كما ينبغي، واستغلاله بات بعيدا عما يجب؛ فماذا نقول عن تاجر يرفع سلعته استغلالا لحاجة الناس إليها وبلا مبرر سوى الجشع ومحاولة الاستحواذ على أكبر قدر من الربحية والتفكير المادي المقيت، ناسيا أو متناسيا ما يوجبه هذا الشرع المطهر من السماحة وأن من الإيمان الرضا بالقليل، وفي خضم ذلك اللهث الدنيوي تجده لا يكتفي بذلك بل ويستخدم رمضان كدعاية له في ترويج سلعته وإلصاقها باسم هذا الشهر المبارك، في استباحة فجة لقدسية ومكانة هذا الشهر الكريم؟!
ماذا نقول لمالكي القنوات التلفزيونية الذين يكرسون جهدهم لإنتاج خاص بهذا الشهر، وحدّث ولا حرج عما تحويه من مناظر تتنافى مع روحانية هذا الشهر أقل ما فيها ذلك السفور الممجوج ناهيك عن المناظر الخادشة للحياء من عري ومشاهد ربما يكون بعضها فاضحا إلى درجة يترفع القلم عن الخوض فيها، ولك أن تتصور – عزيزي القارئ - مسلسلا يعرض ويتحدث عن زنا المحارم، ويعرض هذا الأمر على المشاهدين في رمضان، ومن المؤسف أن مثل هذه المسلسلات تموّن وبمبالغ فلكية، لتقدم للمشاهد أمورا لا تمت لرمضان بصلة، ولا يعلم المتابع كيف تم تسميتها رمضانية، ويبدو أن ذلك فقط مرتبط بوقت العرض (في هذا الشهر الكريم)، وإلا فإن رمضان بريء منها براءة الذئب من دم ابن يعقوب.
وكم سُرّ الجميع بتصريح معالي وزير الثقافة والإعلام عندما ذكر أن رمضان شهر الروحانية ويجب الحفاظ على قدسيته وعدم المساس بها، ونرجو أن يكون ذلك ديدنا لكل القنوات حتى الخاصة، فرمضان وقدسيته يفترض أن يكونا في مكانة علية ومنزلة سنية، ولا مجال هنا للأخذ والرد، فسيد الشهور وموسم الطاعات من واجب الجميع الحفاظ على قدسيته في نفس كل مسلم، وعدم السماح بأي محاولة للنيل منها أو خدش هذه الصورة.
وأود التعريج على المسابقات، فقد كانت بعض القنوات في السابق تجتهد في تقديم مسابقة لها مساس برمضان أو على الأقل بالقرآن، لكن القنوات في هذه الأيام تتعمد تقديم مسابقات لا علاقة لها مطلقا برمضان ولا بالقرآن بل هي تعتمد على كثرة المتصلين والتسجيل بمبالغ هائلة وصلت في بعض القنوات إلى 35 ريالا للدقيقة، مما يعني جمع أكبر قدر من المال وتقديم جزء منه كجوائز، وهذا ميسر محرّم لا يشك في ذلك شاك ولا يجادل فيه إلا جاهل.
الإعلام في رمضان يفترض أن يضع نصب عينيه مكانة الشهر، ومنها ينطلق لتكون برامجه ومسلسلاته منساقة مع روحانيته، وهذا لا يعني عدم وجود عنصر التشويق ولكن يؤكد البعد عن الإسفاف بكل صوره وكافة أشكاله.
وهناك مع بالغ الأسف موظفون يتعمّدون تأخير معاملات الناس في هذا الشهر، بل ويصرون على إجازات اضطرارية وهم يعلمون يقينا أنهم بهذا يعطّلون مصالح المسلمين، وعلماؤنا قد أفتوا بعدم جواز أخذ الإجازة لأداء العمرة وأن ذلك لا يعدّ اضطرارا، فكيف بمن يأخذها للراحة والاستجمام بزعم ضغوط العمل؟
وختاما فإن أمثال هؤلاء يقومون بأدوار غاب فيها الشيطان، وكأنهم أخذوا على عاتقهم القيام بها بالإنابة، وهم – مع بالغ الأسف – لا يبالون، ولا يأبهون بما يعملون، ولا يألون جهدا في الإمعان وبانتهازية مقيتة باستغلال هذا الشهر استغلالا لا يليق به ولا بمكانته، والمرجو الضرب بيد من حديد على يد كل عابث، ومقاطعة كل مجازف بسمعته، فالتكاتف في مثل هذا الحال مما يؤكد التلاحم الإسلامي، لدين جعل المجتمع المسلم كالجسد الواحد.