قد يظن البعض أن نوري المالكي، وهو يغذي ويذكي نار الطائفية في العراق، أن السيد نوري مخلص لشيعيته مقتنع فعلا بمبادئها، ومتألم للمظالم المتوارثة - كما يزعمون - منذ يزيد والحسين حتى يومنا هذا، وأنه مقتنع فعلا أن أصحاب المذهب السني هم أعداؤه وأعداء شيعته ولا بد من القضاء عليهم حفاظا على الدين النقي. وقد يظن البعض - أيضاً - أن أي سني في مقام نوري السياسي في العراق، مخلص لسنيته، ومقتنع تمام الاقتناع أن الشيعة كمذهب ديني هم أعداؤه اللدودون الذين يجب اقتلاعهم من الأرض حفاظا على نقاء العقيدة.
والحقيقة أن قميص عثمان (رضي الله عنه) دائماً حاضر عند السنة والشيعة، و(قميص عثمان) هذا هو العقيدة النقية التي يزعمها كل طرف لنفسه، وهذا على مستوى المعتقدين فعلا والمصدقين حقيقة، أما على مستوى (نوري المالكي) الشيعي، ونظرائه السياسيين من السنة والشيعة في العراق، فهم أكذب الخلق، وأكثرهم انتهازية ووصولية ودموية، هؤلاء لا تهمهم سوى كراسيهم وسلطاتهم ونفوذهم عبر التاريخ كله، ولكم أن تتصوروا لو أن سنة العراق وقفوا إلى جوار المالكي وناصروه، هل كان سيستدعي ثارات الحسين ويزيد؟ ولو أن شيعة العراق وقفوا ضد المالكي وترهاته المذهبية والسياسية هل ستجد من أصحاب القرار السياسي في العراق من يتحدث عن الطائفية ويجند من يشتم الرافضة؟ تأمل وفكر وحاول أن تجيب نفسك بنفسك! (الرافضة) و(النواصب) مصطلحان سياسيان، وليسا عقائديين، ولا حتى مذهبيين، ولا حتى اختلاف جزئي في مسألة فقهية، إنهما مصطلحان سياسيان بامتياز، وبرغبة واضحة جلية في طموح السياسي عبر التاريخ الإسلامي - غير المجيد - أن يجد له أنصارا ومؤيدين وجمهورا وشعبا متى أراد، ويسخر لذلك المال بالدرجة الأولى، ثم فتاوى أنصاره (الماليين) الذين تدثروا - زورا - بالعلم، وجاهزون للفتوى في الاتجاه الذي يريده، فإن شاء أن أعداءه روافض كانوا كذلك بالدليل المؤول أو المزور، وإن شاء أن أعداءه نواصب كانوا كذلك بنفس الطريقة.! الإسلام يقول المسلمون إخوة، والمسلم من سلم الناس من لسانه ويده، لكن السياسيين - والعراق أنموذج واضح - لا يريدون هذا المفهوم أبدا، هم يعيشون ويتسلطون على الناس بناء على التفريق بينهم، وهم - وهذا هو المهم - يأكلون أموالهم ويستبدون بثرواتهم بناء على هذا التفريق المذهبي، ووفقا لاستعبادهم بالفتات من المال لقليل من الطائفتين، أو الطوائف، هذا القليل المستعبد بالنقود، جاهز في أي لحظة للإفتاء ضد أي طائفة تكدر عيش وسلطة السياسي، وجاهز لأن يوظف القرآن والسنة وكل شيء في سبيل الإساءة لهذه الطائفة أو تلك طالما صاحب سلطته، وولي نعمته (رشوته) يريد ذلك. السياسيون الذين أسسوا لمصطلحي (النواصب) و(الروافض) يكرهون أصلا مصطلحات (الحرية والعدل، والحق، والخير والجمال)، ولذلك سعوا إلى طمسها بحجة الحفاظ على العقيدة، مرة ضد الروافض، وأخرى ضد النواصب، وهم ورثوا هذا الخبث السياسي لأبنائهم وأحفادهم منذ الأمويين حتى دويلات العرب والمسلمين اليوم، إن على الشعب العراقي ألا يصدق نوري المالكي ولا غيره، لا سنة ولا شيعة، عليهم أن يطالبوا بالحقوق والعدل والحرية، فهي إن تحققت فلن تجدوا لا سنة ولا شيعة، ستجدون بشرا يعبدون الله على بصيرة، ويعتقدون جميعا أن تحقيق قيم (الخير والحق والعدل والحرية والجمال) أعظم من السنة والشيعة والبشر أجمعين.