إذا كانت اللغة حوارا مثلّثا مع الذات والآخر والوجود، فمتى نعي وعيا دقيقا فحوى قول الرسول الكريم محمد، صلى الله عليه وسلم، في أحاديث عميقة الدلالة وبانية للوعي الوجوديّ والحضاري والاجتماعي؟ ومنها قوله في معرض بيان الهويّة اللغوية وأثرها في البناء الاجتماعي: «أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ الرَّبَّ رَبٌّ وَاحِدٌ وَالأَبَ أَبٌ وَاحِدٌ، وَلَيْسَتِ الْعَرَبِيَّةُ بِأَحَدِكُمْ مِنْ أَبٍ وَلا أُمٍّ وَإِنَّمَا هِيَ لِسَانٌ، فَمَنْ تَكَلَّمَ بِالْعَرَبِيَّةِ فَهُوَ عَرَبِيٌّ»، فلو وعى العرب والأعاجم قديما، وغير العرب من المسلمين في زماننا الحاليّ هذا الوعي، لما نشبت الشعوبيّة آنذاك، ولما نشأت القوميّات الحديثة العنصريّة الطابع بين رعايا الأمّة المسلمة في أيّامنا هذه. ولأدرك الجميع أن لا انفصام بين العربيّة والإسلام، ولكان البناء الحضاري لهذه الأمّة أعلى شأنا وأجلّ وأسمى ممّا وقعنا ونقع فيه نحن العرب - من اكتسبنا العربيّة جنسا بالعرق والنسب أو حصّلناها ثقافة بأن صرنا أصحابَ لغة عربيّة من فُرس وتُرك وروم وكُرد وبربر وغير ذلك من الأعراق- في ظلّ الدين الإسلاميّ الحنيف.
كما أنّنا ما زلنا جميعا بحاجة ماسّة إلى قراءة الحديث الذي يرد في باب تعريف المسلم في جوهر هويّته الدينيّة والإنسانيّة والحضاريّة والاجتماعيّة والنفسيّة: «المُسلمُ من سَلِمَ المسلمونَ - وفي رواية أخرى الناسُ - من لسانِهِ ويَدِه، والمُهاجِر من هَجَر مَا نَهى الله عنه» فالمسلم يعرف قيمة اللغة التي تصدر عن اللسان في صياغة الهويّة الدالّة عليه، والجامعة بينه وبين إخوانه في الدين أو إخوانه من بني البشر بعامّة. ناهيك عن كف الأذى باليد عن كليهما.
ويعضد ما سبق جميعه حديث أخير باهر الدلالة في الكشف عن شخصيّة المسلم أو المؤمن وبيان هويّته المشبعة بالروح الإنسانيّة، والسموّ الأخلاقي، ونحن أحوج ما نكون إلى تذكّره والعيش في ظلّه، والعمل بما فيه، في ظل تفرّقنا وتشرذمنا المقيت هذه الأيام: «ليس المؤمن بالطعّان ولا باللعّان ولا الفاحش ولا البذيء». صدق رسول الله.
في اللغة والحضارة
جمال مقابلة2 دقائق للقراءة

حجم الخط
