تمثل الوظيفة لبعض الناس الجزء الأهم من حياته، حتى إن اهتمامه بها قد يفوق عنايته بأسرته جهدا ووقتا، وهذا نوع متطرف من الناس في هذا الباب، ويقابل ذلك من لا يمثل له عمله الوظيفي أدنى قيمة أو متعة بل هو أثقل عليه من الجبال الراسيات، فلا يعطيه إلا جسدا بلا روح ولا عاطفة، وحاله معه أبعد ما تكون عن القيام بحقوقه كاملة فضلا عن الإبداع والتطوير، وبين هذين النموذجين تمتد أنماط كثيرة من الناس، وحين نتأمل واقع أكثر الناس اليوم فإننا سنجد أن أكثرهم يقضي شطرا كبيرا من عمره في عمله الوظيفي، وربما ذهبت فيه أجمل سنوات عمره، وأعذب أيام تلك السنوات، والحديث عن العلاقة بالوظيفة حديث ذو شجون في جوانبه الشرعية والنفسية والاجتماعية والمهارية وغيرها وليس هذا مكانه بكل تأكيد.
وهنا أسجل بعض العناوين التي أراها لضبط هذه العلاقة بين الموظف والوظيفة والتي ربما حققت بعض التوازن، فمن ذلك أن الوظيفة مسؤولية وأمانة تقتضي الإخلاص والصدق ولا يسوغ فيها التفريط والتأويل بأي صورة، وخصوصا إذا ارتبط ذلك بظلم الناس أو الاستيلاء على المال العام. ومنها أن الوظيفة والعمل قيمة إنسانية رفيعة تكشف أخلاق الناس ومعادنهم وصدق ديانتهم، وهي في محصلتها موضع خدمة للناس وليست مكان ترفع أو تسلط عليهم، ومنها أن العمل الوظيفي إنما هو أحد أوجه الحياة الواسعة، والعاقل هو من يعيش الحياة بكل تنوعها وجمالها ولا يستغرقه العمل الوظيفي، فمشكلات الوظيفة وأحداثها يجب أن لا تطغى على غيرها، ويجب عليه أن لا يسمح لها بأن تسيطر على نفسه ومشاعره وأفكاره في جميع الأوقات، وعمله وإن امتد زمنه فهو إلى نهاية تقف بالإنسان في لحظة التقاعد على شاطئ الحياة الرحب الممتد ومن الحكمة أن يستعد الموظف لهذا الموقف، ومنها أنك أيها الموظف ربما اكتشفت بعد الوظيفة، وخصوصا إذا كنت في منصب كبير أن كثيرا ممن حولك إنما كان يرى ويقدر ويحترم موقعك ومنصبك فقط، ولم تكن أنت المقصود بذلك التقدير والاحترام فسرعان ما ترى تغيرهم، فلا تأس على هؤلاء وحاول مبكرا أن تكتشف معادن المحيطين بك حتى لا تشعر بالصدمة .. تلك إشارات عجلى وقد تكون لنا عودة.