على مدى السنتين الماضيتين، طالب بعض المهتمين في شؤون السياسة الخارجية الأمريكية، وأنا من بينهم، باستخدام القوة في سوريا دون فائدة. الرئيس أوباما قال إننا لا نفهم أن استخدام القوة ليس هو الحل لجميع المشاكل، وأن المنهج الحكيم هو في استخدام القوة فقط للدفاع عن المصالح الأمريكية المهمة.
ولكن فجأة، وعقب ذلك التصريح للرئيس أوباما، بدأت الإدارة الأمريكية في التفكير في استخدام القوة في العراق، بما في ذلك استخدام الطائرات بدون طيار، ضد تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) الذي يحتل مدينة بعد أخرى ويقترب شيئا فشيئا من العاصمة العراقية بغداد.
التحول الجديد في الأحداث يجعل الناس الذين مثلي حائرين. لماذا يعتبر خطر داعش في العراق تهديدا للمصالح الأمريكية، بينما لا يعتبر وجود داعش في سوريا تهديدا؟ ولماذا لا تكون الحرب الأهلية البشعة التي مزقت سوريا وزعزعت الاستقرار في لبنان والأردن والآن في العراق تهديدا للمصالح الأمريكية؟
أعتقد أن المسؤولين في البيت الأبيض سوف يسوقون ثلاثة أسباب لذلك.
أولا؛ سيقولون إن المقاتلين في العراق يضمون عناصر من تنظيم القاعدة. لكن ذلك يتجاهل التاريخ الحديث. الخبراء توقعوا منذ أكثر من سنة أننا إذا لم نتصرف بحزم في سوريا فإن داعش سوف تؤسس دولة في شرق سوريا وغرب العراق، وهو بالضبط ما نشهده الآن. فلماذا لا نواجههم بشكل مباشر في سوريا، حيث سيؤدي انهيارهم إلى تقوية المعارضة المعتدلة؟
ثانيا؛ قد يقول البيت الأبيض إن الحكومة العراقية طلبت المساعدة. هذا يجعل استخدام القوة شرعيا وفقا للقانون الدولي، أما في سوريا فإن الحكومة التي بدأت عمليات القتل، وأذكت نار الحرب الأهلية، ولا تسمح للمساعدات الإنسانية بالوصول إلى المدنيين المحتاجين، تعترض على استخدام القوة ضدها. لكن القانون الدولي هنا يضع مصالح الحكومة العراقية ضد مصالح شعبها. فهو يسمح بمساعدة الحكومة العراقية التي انتهكت بشكل متكرر اتفاقات المشاركة بالسلطة بطريقة جعلت العرب السنة في العراق يتعاطفون مع داعش. ومن وجهة النظر الاستراتيجية، الحكومة العراقية هي في جيب إيران إلى حد كبير.
ثالثا؛ قد تقول إدارة أوباما إن أمريكا خاضت حربا على مدى عقد من الزمن في العراق، ودفعت كلفة باهظة. أطحنا بحكومة قوية مستقرة ولكن قاسية وتركنا حكومة ضعيفة غير مستقرة. لا نستطيع أن نسمح لتضحيات جنودنا أن تذهب عبثا ولذلك فإن علينا أن ندعم الحكومة التي جئنا بها بدلا من النظام السابق. هذا أكبر خطأ في تبريرات البيت الأبيض. هذه النظرة ترى العالم على مستويين: العالم الإنساني للمعاناة الفردية، حيث لا تكون هناك مصالح أمريكية مهما كانت الجرائم المرتكبة بشعة؛ والعالم الاستراتيجي للمصالح الحكومية، حيث ما يهم هو منع اللاعبين الدوليين وغير الدوليين من إلحاق الضرر بمصالح الولايات المتحدة. لكن المستويين مترابطين. عندما تبدأ حكومة بقتل شعبها يجب إيقافها ووضع حد لها. إذا لم يتم إيقافها فإن أعمال العنف والنزوح والتطرف سوف تزدهر. إذا سمحنا للحكومة السورية بالاستمرار في ارتكاب أسوأ حملات الجرائم ضد الإنسانية مثل رواندا، سيستمر تأييد داعش. وإذا اخترنا دعم حكومة المالكي بدلا من دعم مصالح الشعب العراقي، كل الشعب العراقي، فإن حكومته لن تكون في أمان.
على الرئيس أوباما أن يطرح السؤال نفسه في سوريا والعراق. ما هو النهج الأفضل، على المدى القريب والبعيد، للشعبين السوري والعراقي؟ ما هو النهج الذي سيضع حدا لأعمال العنف والمعاناة للشعبين بشكل يومي؟ ما هو النهج الذي سيوفر لهم أفضل فرص السلام والازدهار والحكومة النزيهة؟ الإجابة على هذه الأسئلة قد تتطلب استخدام القوة بشكل محدود وفوري في كلا البلدين.
من الجانب القانوني، علينا أن نعمل في كلا البلدين لأننا نواجه تهديدا للسلام العالمي، وهو بالضبط الموقف الذي تم تأسيس مجلس الأمن الدولي للتعامل معه. إذا قامت دول مثل الصين وروسيا بمنع القيام بمثل هذا العمل خدمة لمصالحهما الضيقة، فعلينا أن نتصرف بالتعاون مع دول أخرى، كما فعلنا في كوسوفا، وبعد ذلك نسعى إلى مصادقة مجلس الأمن على الأمر الواقع. ميثاق الأمم المتحدة تم وضعه لإحلال السلام بين الشعوب في شتى أنحاء العالم، وليس كأداة لسلطة الدولة.
هذه ليست مجرد حسابات إنسانية. هذه حسابات استراتيجية أيضا. ولو كان الرئيس أوباما على استعداد لأخذ هذه الحسابات بعين الاعتبار والعمل عليها منذ سنتين، لكان منع من انتشار المذابح اليوم في سوريا والعراق.
الخيارات الأمريكية في سوريا والعراق
4 دقائق للقراءة

حجم الخط
