كانت ليلة استثنائية.. في عدد الأوامر الملكية، وتنوعها، وشمولها. لقد كان تدشينا قويا للمرحلة الجديدة. وأجمل ما فيها أنها قطعت في وقت قصير حالة الانتظار التي يشعر بها الوزراء والشعب في مثل هذه الأحوال. والانتظار يشلُّ المسؤول عن العمل، ويشغل الشعب بالتنبؤ والتحليل وفرض السيناريوهات. أول معزول في تلك الليلة هو (الانتظار) الذي يجعل المسؤول في مثل الإجازة والترقب. اتضح في تلك الليلة من سيبقى ومن سيعيّن، وأصبح الجميع أمام أعمالهم ومهامهم صباح الأحد الباكر.
ومن أهم من عُزِل تلك الليلة المجالس البيروقراطية التي كانت تعرقل السير والحركة. وهناك مجالس تنشأ في ظرف معين ثم تزول الحاجة إليها ولا تزول، وتبقى عبئا على القرار ونشاطه. وإلغاء هذه المجالس يعود على الفريق الوزاري كله بالعون والتيسير. لقد اكتمل فريق العمل في وقتٍ استثنائي، والشعب يدعو ربه أن يعينهم على حمل الأمانة والإخلاص والتوفيق في القول والعمل.
وبعد الأوامر الملكية شهدت مواقع التواصل الاجتماعي نشاطا كبيرا في التعليق والتحليل والترفيه، وهذا كله أمر معتاد ولا بد منه. الأمر الذي يحتاج إلى مراجعة وإعادة نظر ذلك الاستقطاب داخل المجتمع الواحد، والشماتة والتهكم، والتهديد والتخويف. وهنا لن أناقش الفعل وردة الفعل، ولن أبحث عن المخطئ والمصيب، لأن ذلك سيطيل البحث، ويستجيب لحالة الانقسام والاستقطاب.
إن حقائق التاريخ تخبرنا بأنه لن يخلو مجتمع من التنوع والاختلاف ولو كان مجتمع المدينة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن تختلف المجتمعات في إدارة هذا الاختلاف، فتجد بعض المجتمعات قد نجحت في إدارة هذا الخلاف بما يضمن تماسكها ووحدتها وحيويتها، ومجتمعات أخرى أخفقت في إدارة هذا الخلاف وانزلقت في التنازع والاستقطاب الحاد وصنعت في مجتمعها ما يسعد العدو ويسوء الصديق.
إن الحفاظ على تماسك المجتمع ووحدته، وبقائه قويا في وجه أعدائه المتربصين به، وبقائه وفيا لأهدافه ونجاحه وتقدمه المستمر هو الهدف الكبير الذي لا يراه المتحمسون لحالة الاستقطاب الحاد. فوق هذا المجتمع ترفرف راية التوحيد، ولا يجوز بأي حال أن ينقسم المجتمع على نفسه حتى ينسى خصومه المتربصين به من الصهاينة والصفوية وغيرهم.
إن هذا الهدف لا يعني التخلي عن المواقف الشرعية والرد على المخالفين والحذر من الماكرين داخل المجتمع المسلم، ولكن يعني ألا ننهمك في هذا الواجب حتى ننسى الواجبات الأخرى، وألا نغفل عن هدي محمد صلى الله عليه وسلم في إدارة الخلافات داخل مجتمع المدينة بما يمنع الاستقطاب والتنازع والفتنة الداخلية.
إن الأمم الكافرة فطنت لذلك وحافظت عليه، وأصبحت تركز على عدوها الخارجي المشترك، وإن لم تجد عدوا صنعت عدوا حتى يلتم شعثها، وتتوحد كلمتها. نعم، ما زال مجتمعنا بخير، ولم يتوغل بعيدا في الاستقطاب والتنازع، ولكنه في طريقه إلى ذلك ما لم يفطن العقلاء الذين لا يغفلون عن أعداء الأمة من خارجها، ولا يسمحون لأحد أن يقسم المجتمع من داخله ويورطه في حالة تشاحن وتنازعٍ مزمن.