بحي متواضع بمدينة تبوك تقبع المدرسة الابتدائية الحادية عشرة، هناك حيث كنت طفلة الصف الرابع عام 1411 تحديدا. المرحلة التي تشكل نقلة نوعية في حياة أي طالبة، وتغيير جذري مربك ورائع حيث يتبدل مسماك من الصفوف الدنيا إلى الصفوف العليا، وتزداد الحصص إلى 7 تضاف إليها مواد: النسوية، القواعد، الجغرافيا، التاريخ، والتعبير.
والتحدي الأصعب - في تلك المرحلة: مادة الإملاء. الأهم والأروع أننا نرمي أقلام الرصاص ونستبدلها بأقلام حبر تلون دفاترنا بهيبة الواقع الجديد.
بذلك العام تحديدا عرفت معنى الإنسانية والرحمة بمفهوم الطفلة البسيط.. عرفت معنى الحنان، معنى تقدير المواهب والموهوبين، وتقدير الذات، أحببت حينها مدرستي، ومعلماتي، وصديقاتي. تطلعت بشوق، في كل إجازة، لاستئناف الدراسة من جديد، وفي كل سنة دراسية جديدة كثفت دعائي وصلاتي بأن يحالفني الحظ، وتدرسنا (أبلة نورة). يخفق قلبي عند خطوة أول يوم دراسي على عتبة المدرسة، ويرفرف بعد سماع قرع حذاء معلمة مقبلة إلينا لأفاجأ بأنها (أبلة نورة).. تدخل بهدوئها المعتاد، قائل «كيفكم يا بناتي كل عام وأنتم بخير راح أدرسكم السنة هذي بإذن الله».
لم أتوان في تلك اللحظة عن القفز من مقعدي والانطلاق نحوها لأوضح حجم سعادتي.. وتمنيت من شدة الفرح أن أقدم لها هدية.. أدخلت يدي إلى جيبي لأقلب ريالاتي التي لا تكفي ولا تليق.. أقلب حقيبتي مرارا وتكرارا بحثا عن شيء يليق فلا أجد، وكأنني لا أعرف محتوياتها سلفا!، تمنيت أن أقطف قلبي هدية لها، أن أحضنها كأم. لكن الخجل كان عائقي.. أقصى ما تمكنت منه أن أستأذنها بحماس لأجهز لها السبورة أو أن أجلب لها كرسيا تجلس عليه. أتباطأ للحظات وأتثاقل بخطوات الرجوع لمقعدي حتى أتأكد أنها رأتني لأطرب أذني برقة عبارات الامتنان، فمعها سمعت أول مفردات الشكر والثناء، كنت أتعمد خدمتها لأسمعها أكثر، اجتهدت في مذاكرتي، أصبحت من الأوائل على الصف، ثم على المرحلة، انضممت لطالبات النظام حيث تجتمع نخبة الطالبات.
تدرجت للأفضل فرشحتني لطالبات الإذاعة الصباحية، ثم عضوة دائمة في جميع احتفاليات المدرسة.. تكريما بعد تكريم وسنة بعد سنة تغيرت حياتي داخل المدرسة وخارجها بسبب اهتمامها بي.. لم تبذل من المال ولا من الهدايا الكثير، فلم يتجاوز اهتمامها بي أو بغيري أسوار المدرسة، لكن إحساسي بها ذهب لأبعد من سقف صف أو سور مدرسة، بكل قفزة أقفزها أثناء اللعب، وفي كل حلوى أتذوقها كنت أشعر بها قربي.. ترى ما الذي قدمته لنا لتحصد هذا الحضور حتى في غيابها؟ لقد قدمت الحب، حسن الخلق، والثقة.. غذت عقولنا لكنها بدأت بأرواحنا، فلا شيء أعظم من الحصول على القيمة المعنوية والاهتمام. لم تعنفنا ولم تجلب معها مسطرة العقاب، لقد اتبعت منهج المصطفى التربوي (عليه الصلاة والسلام) مرددة «الطفل لا يخطئ إنما يستكشف ليتعلم».
مرّ عام بعد عام وأنا الأميز بين قريناتي، وعندما انتقلت للمرحلة المتوسطة بحثت في وجوه المعلمات عن سحنة تشبه (أبلة نورة) فلم أجد، أغمضت عيني لأفرز الأصوات فلم يقرع أذني صوتها!
فعلت معهن مثلما فعلت مع (أبلة نورة): جلبت لهن الكراسي ومسحت لهن السبورة مرات ومرات، تفوقت دراسيا لأرى الرضا أو الثناء فلم أجده لديهن! حتى تخرجت من كلية التربية بتقدير عال مع مرتبة الشرف، تزوجت وانتقلت للعمل في مدرسة أهلية بالرياض، ثم كمعلمة في الثانوية الأولى بالخرج أحمل على عاتقي رسالة عظيمة خطت مبادئها أبلتي نورة، فعرفت أن أحب نفسي ومهنتي وطالباتي وأقدم أجمل ما لدي.
عرفت أني ثمرة من ثمراتها تجني حسناتها مع كل إحسان أو احتساب للأجر أقدمه لطالباتي، عرفت أن ما يقدم لوجه الله لا يكافئ عليه إلا الله، عرفت أن حسن الخلق عبادة ومدخل لامتلاك القلوب، وحسنة مستديمة لا يتوقف طيب نتاجها ولا ينقطع أجرها. عرفت أن من لا يشكر الناس لا يشكر الله، وأن مهنتي أمانة حملني إياها من علمني، وأن هناك من الطالبات من تسجد وتدعو لي كما أفعل أنا إلى الآن لها.
ابحثوا معي عن الأستاذة نورة في دواخلكم، ثم على أرض الواقع، فقد أقسمت أن أشد لها الرحال بأي مدينة كانت لأقبل يديها ورأسها، فبفضلها بعد الله أصبحت معلمة متميزة وأمّا رائعة ومربية جليلة. لا أمتدح نفسي غرورا ولا حبورا، بل أحب حين يصلها مقالي أن تشعر بالفخر بنتاج عملها وإحسانها.
وأخيرا؛ لم أسرد قصتي لاستثارة عاطفة أو شحذ انتباه، بل لأنبه أن التعليم رسالة سامية فهو تربية وغرس قيم ومبادئ تتوارثها أجيال بعد أجيال إلى أن يرث الله الأرض. فاستشعروا هذه القيمة واستثمروا هذه النعمة لترك بصمة وأثر ولا تطلبوا أجرا أو امتنانا من البشر.