almarahbi.
h@makkahnp.
com كما تفرز الغدد الصماء الهرمونات، تفرز عقولنا الأفكار.
وهي نتيجة تأملات أو عصف ذهني بدافع الخروج بحلول أو كشف مسببات مشكلة ما.
والأفكار تعكس اعتقاداتنا في نوعين من الأشياء أو الموجودات: الأولى ما تراه أعيننا أو تسمعه آذاننا أو تشعر به بقية حواسنا (موجودات محسوسة أو ملموسة).
والأخرى تعكس موجودات غير مرئية أو ملموسة ولكنها محددة بالأذهان، قد يؤمن بوجودها الإنسان، ويفهم ما تشتمل عليه من معان وصفات من دون أن يملك القدرة على رؤيتها أو لمسها كالحسد، الوطنية، الحب، الطموح.
كلا النوعين من الموجودات يمكن التعبير عنهما في شكل مفاهيم (مسميات وتعاريف)، ثم يمكن تكوين علاقات فيما بينها لتصبح فرضيات أو نظريات.
إن تحديد وتعريف المفاهيم أمر مهم كي يتحقق لها القبول والانتشار أو تبنى منها النظريات.
والتعاريف قد تأخذ صيغة مجردة (abstract)، أي تركز على تحديد الصفات العامة والمشتركة للشيء الموجود (التلفزيون مثلا)، مستغنية عن تفاصيله الخاصة (اللون والحجم) وأنواعه المتطورة (الأسود والأبيض، الملون، البلازما) وذلك لغرض تكوين مفاهيم ونظريات يمكن استعمالها أو تعميمها بصورة أوسع (universal).
فيكون تعريف التلفزيون وفقا لذلك: جهاز يقوم باستقبال إشارات الكترونية ومن ثم تحويلها إلى صور متحركة وأصوات عبر شاشة عرض.
بالأعلى مقدمة مختصرة لمكونات الأفكار كي يسهل استيعاب الفقرات التالية.
وسؤال مقالي لليوم يبحث في أسباب نجاح أفكار وفشل أخرى.
لنتفق أولا أن مقياس نجاح الفكرة هو قدرتها على حشــــد الاعتراف وقابليتها للتطبيق العملي والانتشار (عموميتها ونفعها).
هناك مشكلتان تعترضان نجاح الأفكار بأي مجتمع.
المشكلة الأولى تتعلق بالفكرة نفسها، وتشمل (1) درجة البراعة في بنائها لتبدو للسامع عملية، متطورة، وملائمة للحاجات الإنسانية.
وتشمل أيضا (2) مدى الإتقان في أسلوب عرضها بشكل يضمن أن تستوعبه أو تفهمه الثقافة السائدة أو الوعي العام، ويتطلب الإتقان في العرض ألا تستخدم مفاهيم غير واضحة للمجتمع المقصود حشد اعترافه من دون تقديم تفاصيل وافية، تمزج بين روح الفكرة وبيئتهم، ولا تتصادم مع قيمهم بشكل متبجح أو لا يحترم حقهم في الفهم التام، مخاوفهم مما قد يترتب عليها، وحقهم في الاختيار.
والمشكلة الثانية التي تعترض نجاح الأفكار تتعلق بمدى استعداد المجتمع لاستيعابها - مستوى أدواته المعرفية التي تساعده على الفهم الصحيح.
يمكن تحديد ذلك بالإجابة على الأسئلة التالية: إلى أي مدى يمكن للفرد بذلك المجتمع التمييز بين الآراء والحقائق، فيتجنب تشويش الشائعات أو الأفكار المغلوطة ويميز بوضوح الأفكار الجيدة منها ويقبلها؟ إلى أي مدى يمكنه إدراك تحيزاته الشخصية (ميله لقبول أفكار ذات نمط متكرر، فيرفض أو يتجاهل غيرها، ولو كانت جيدة من دون مبررات مقنعة)؟ إلى أي مدى يمكنه إدراك تحيزات ودوافع الأشخاص الذين يستمع لأفكارهم؟ لأنهم قد يحجبونه عن الاستماع لغيرهم لدوافع عدة منها الحفاظ على شعبيتهم.
ختاما، قد تموت أفكار مبدعة في مهدها، وتنتشر أفكار فاسدة، يعتمد نجاح الفكرة بشكل أكبر على الإبداع في بنائها وعرضها وعلى مستوى الأدوات المعرفية للجمهور المستهدف.