المتابع لتدشين المرحلة الحكومية الجديدة للمملكة، والتي شهدت أكبر تغيير وزاري في تاريخها، يلاحظ أن هذه المرحلة عمدت لخلق توليفة حكومية تمزج بين الخبرة والشباب الطموح، واختصرت كثيرا من اللجان والمجالس في مجلسين أحدهما يعنى بالشؤون السياسية والأمنية، والآخر يهتم بالشؤون الاقتصادية والتنمية، في خطوة تهدف إلى تسريع إجراءات العمل الحكومي، والقضاء على البيروقراطية الإدارية، ويؤكد الرغبة الجادة في تحقيق الريادة العالمية.
وتحقيق الريادة العالمية في جميع المجالات العلمية والطبية والصناعية والتقنية أحد الأهداف المعني بها مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية الذي يرأسه صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان وزير الدفاع، رئيس الديوان الملكي، ويضم في عضويته كل الوزارات المعنية بالاقتصاد والتنمية.
ويتطلب تحقيق هذه الريادة وجود مراكز أبحاث وتطوير مستقلة ومتخصصة تسهم في دعم اقتصاد المعرفة من ناحية، وتحقيق قفزة كبيرة نحو العالمية، تضع المملكة في مكانة عالمية متقدمة للحاق بركب التطور العلمي والتقني والصناعي واختزال الهوة البحثية والعالمية مع الدول المتقدمة من ناحية أخرى.
وضعف نسبة الإنفاق على البحث العلمي، وغياب المراكز البحثية المتخصصة إحدى المشاكل التي تقف عقبة أمام تحقيق الريادة العالمية، وتحقيق التنمية الاقتصادية الشاملة، وأعتقد أنها ستأخذ أولوية كبرى في قائمة أعمال المجلس، فالتنمية والاقتصاد لا يمكن أن يدوما طويلا في ظل غياب مراكز الأبحاث العلمية المتخصصة، فهما ولدا من رحم البحث العلمي، ومنه يستمدان استمراريتهما.
فنسبة الإنفاق على البحث العلمي في المملكة لا تزال ضعيفة لم تصل إلى 1% من الناتج الإجمالي وفقا لبيانات 2012، وهي نسبة ضعيفة جدا إذا ما قورنت بما يصرف في دول العالم المتقدم، ففي أوروبا الغربية وأمريكا يفوق الإنفاق على الأبحاث والتطوير ما يصرف على البنية التحتية بمراحل كبيرة، وعلى سبيل المثال، يتجاوز إنفاق الولايات المتحدة واليابان والاتحاد الأوروبي ٤١٧ مليار دولار سنويا على الأبحاث والتطوير لتحافظ على مكانتها في مواقع الريادة العالمية، بما يتجاوز ثلاثة أرباع الإنفاق العالمي على البحث العلمي.
فالولايات المتحدة وحدها تنفق سنويا على البحث العلمي ١٦٨ مليار دولار بما يعادل نحو ٣٢٪ من مجمل الإنفاق العالمي، فيما يبلغ إنفاق اليابان نحو ١٣٠ مليار دولار يشكل نحو ٢٤٪.
ويبلغ مجموع الباحثين في الولايات المتحدة، واليابان وألمانيا وفرنسا، وبريطانيا وإيطاليا وكندا مليونين و٢٦٥ ألف باحث، يمثلون نحو ٦٦٪ من مجموع الباحثين في العالم.
ولتحقيق الريادة العالمية في المجالات العلمية والتقنية والتكنولوجية فإن الاهتمام بالبحث العلمي هو الطريق الوحيد لها، والنواة الأولى لعوامل التفوق والتقدم، ومن يمكن تحقيق ذلك من خلال الوسائل التالية: أولا: زيادة الإنفاق على البحث العلمي والتطوير، وتخصيص نسبة مئوية عالية من الناتج المحلي لدعمه، ووضع استراتيجية موحدة وشاملة للبحث والتطوير العلمي تحدد بعدا زمنيا لتحقيق أهدافها.
ثانيا: تأسيس وإنشاء مراكز أبحاث طبية متخصصة مستقلة ماليا وإداريا في جميع المجالات التقنية والعلمية والطبية والإدارية تكون نواتها الأولى المتميزون من خريجي برنامج خادم الحرمين الشريفين للابتعاث الخارجي الذين سجلوا إنجازات طبية وعلمية وتقنية وبراءات اختراع حظيت بتقدير المنظمات العالمية والمؤسسات الأكاديمية المرموقة، فمن بين نحو ١٥٠ ألف مبتعث يمكننا اختيار ٥٠٠ باحث وباحثة لمواصلة أبحاثهم، وعدم قتلهم في العمل الروتيني اليومي، أو تكليفهم بأعمال إدارية تقتل إبداعهم.
ثالثا: توجيه أولويات هذه المراكز نحو المجالات الطبية، والالكترونية وتقنيات البيئة، وتقنيات المعلومات، وعلوم الفضاء والطيران، وتسخير البحث العلمي في خدمة التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
رابعا: تشجيع القطاع الخاص على زيادة مساهمته في البحث العلمي، ولذلك حلت السعودية في المرتبة السابعة والعشرين في تقرير التنافسية العالمية ٢٠١٣ لضعف مساهمة القطاع الخاص في الإنفاق على البحث العلمي، وحثه على بناء شراكات استراتيجية فاعلة في مجال البحث العلمي لأهمية نتائج البحوث العلمية في تطوير المنتجات وعمليات الإنتاج بما ينعكس إيجابا على زيادة القيمة المضافة.
خامسا: العمل على استقطاب الباحثين المتميزين عالميا في المراحل الأولى لتأسيس هذه المراكز في حال توفر البيئة الملائمة والمشجعة على البحث العلمي، إذا ما علمنا أن تكلفة الباحث الواحد نحو ١٥٨ ألف دولار في السنة، وهذا المبلغ يعد زهيدا جدا في مقابل العائد المتحقق من هذه الأبحاث سواء اقتصاديا واجتماعيا.
alofi.
m@makkahnp.
com