مما يروى عن الشاعر حمزة شحاتة أنه كان يبالغ في إنكار ذاته، فالرجل الذي أجمع أصدقاؤه وعارفوه على سعة ثقافته ونبوغه، لم يكن ليدلَّ بشيء من كل أولئك، إلا عن تواضع، فحمزة شحاتة يعتز بنفسه اعتزازا كبيرا، حتى إنه ليأنف أن يكون مقلدا لأحد فيما أخذ فيه من شؤون الأدب والثقافة، ولكن نفسه التي اصطلحت عليها الهموم والأحزان جعلته يزهد في كل شيء؛ زهد في شعره، وكان يتلفه ويحرقه، إلا ما سبقت إليه أيدي أصدقائه، وأبى أن ينشر شيئا من أدبه، وما عرف الناس أدبه وشعره وفكره إلا بعد أن توفاه الله، واعتزل الناس حتى عجب جار له في مصر حينما رأى صورته في صحيفة سيارة، وحين أنبأه بذلك أنكر.
ويعجب قارئ سيرته حين يقرأ ما اختصه الله سبحانه وتعالى من ذكاء حاد، ومواهب جمة، وتستوقفه تلك الصفحات الماتعة التي جلا فيها صديقه عزيز ضياء جوانب مجهولة من نبوغه وذكائه، وشدة توغله إلى مسائل وأفكار لم تتح لأصدقائه الذين يخالطهم في المركاز والقهوة والسفر، يقرأ ما يقرؤون، ويظهر على ما يظهرون، ولكنه مع ذلك تميز منهم بذلك العقل النقدي والفلسفي الحاد، حتى لكأنه، بما جبل عليه من قدرة على الجدل والتفلسف، أحد الفلاسفة المشائين، بل إن صديقه الشاعر أحمد قنديل اصطنع له لقبا هو "أبوالسقاريط"، ونستطيع أن نقرأ في هذا اللقب الذي أراد به صاحبه إلى السخر والتسلية، شيئا مما طبع عليه صاحب محاضرة "الرجولة عماد الخلق الفاضل"، من شدة العارضة، وقوة المنطق، وقدرة فذة على الجدل والتحاور.
ومن طريف ما رواه صديقه الناقد عبدالله عبدالجبار، أنه عرفه إلى مثقف عربي بعبارة: "من كبار المفكرين"، فقاطعه، من فوره، بقوله: "سابقا"، وضحك الجميع وعجبوا لهذه الإجابة التي تخفي في أعطافها إنكارا للذات وهروبا من تبعات هذا المصطلح الجليل "مفكر" الذي بات اليوم مستباحا ينتحله كل من شدا شيئا من الثقافة، وأعجب ما في الأمر أن "مفكري" الفجأة لا يملكون، ولا يودون أن يملكوا ثقافة حمزة شحاتة وإنكاره لنفسه.
bafaqih.
h@makkahnp.
com