في رحلتي الحياتية المرتبكة، التقيت بوجوه كثيرة، صاحبتها بدون مسبقات ولا خوف أبدا. وهي الفعل النبيل الذي يجعل الأدب حالة إنسانية تقع خارج الموت. حدث لي أن صادفت في شوارع قلعة هناريس سانشو دي بانسا ومشيت معه طويلا مثل صديق قديم، وشربت برفقته قهوة في البيرو بيردي Perro Verde (الكلب الأخضر) وتخاصمت معه بسبب موقفه العدواني من الموريسكيين؟ واعتذر لي بأن عصر حروب الأديان كان أقوى منه. ولمحت سرفانتس في شوارع الجزائر، فركضت وراءه. سألته عن كل شيء، وسألني عن كل ما يحيط به من خيبات وانكسارات. استعرت من كلامه الكثير لأنشئ حارسة الظلال والبيت الأندلسي. قبل سنوات طويلة صادفت أيضا في شارع الحمراء الأنيق، في دمشق، امرأة ممشوقة من مرمر الفجر وألوان الغروب. كارمن Carmen. أيقونة الكاتب الفرنسي بروسبير ميريمي. كانت تستعد لأداء رقصة الموت، قبل أن تستيقظ فيَّ في سنة 1991 في سيدة المقام، عندما كان القتلة يستعدون لنحر كل لون لا يشبه السواد. قبل أيام قليلة صادفت في باريس ولندن آنا كارنين، كانت حاضرة بألق جديد بينما غاب ليون تولستوي. عندما سألتها عنه، قالت تولستوي مات قبل أكثر من قرن، المهم اليوم هو أنا. كانت محقة لأنها كانت التعبير الأسمى عن قوة تولستوي، وذعره من عصر شديد القسوة. التقيت أيضا، قبل فترة وجيزة، في معرض فرانكفورت للكتاب، لوليتا وهي تتدرب على إغواءاتها الطفولية. فتكونت صداقة معها في أصابع لوليتا. عندما رآها نابوكوف لم يعرفها. هي منه وليست له. كانت خارجه كليا. كلها شخصيات لم تعد انتماءاتها وبلدانها تهمّ كثيرا. بل أصبحت فوق البلدان وفوق التاريخ نفسه، بعد أن محت كتابها نهائيا. تمارس حياتها بحرية مطلقة بعيدا. لم يفعل الزمن فيها أي شيء. هذه الشخصيات العظيمة لم تركبها التجاعيد ولا الخوف. وفي كل لحظة يضاف لها عمر جديد.