العنوسة وشبحها ألم أدمى قلوب الكثير من الأسر، وأصبح هاجسا ومصدر قلق، كيف لا ونحن نرى الفتيات والشباب قد تجاوزوا الثلاثين والأربعين بلا زواج.
وبالمناسبة كلمة عانس لي تحفظ عليها، فعلماء اللغة العربية أطلقوها على الرجال والنساء ولم تتحيز لجنس على حساب آخر، ولكنّ الاستعمال اللغوي رسّخ خلاف الأصل اللغوي فاستقرّ في الأذهان أنّ العنوسة تخصّ النساء، ولم يغفل اللغويون فقالوا: العانس «أكثر ما يُستعمل في النساء»، فعبّروا بذلك عن قيم المجتمع الذكوري.
ولكم أن تتخيلوا أربعة ملايين، عدد لا يستهان به، لذلك فوجود الخطابة حل لا بد منه، وأكثر ما أخشاه أن تكون اليوم خطابة وغدا إعلانات إن لم نتدارك الأمر.
ظاهرة الخطابة كمبدأ لا غبار عليه في ظل المعطيات والمؤشرات التي لا تبشر بالخير، وتعد حلا تحت شعار مكره أخاك لا بطل! لأنه واقع مر ساهم مجتمعنا في انتشاره بأعراف وتقاليد بالية، إما لعدم قبول الزواج أو التعصب القبلي أو: ابنتي تسكن بجواري! ضمن الشروط التعجيزية وتحت وطأة غلاء المعيشة وارتفاع سقف المهور والتكاليف المبالغ فيها، أضف إلى ذلك العزلة والبطالة والدخل الضعيف والمبالغة في الطلبات، إلى جانب العضل والمؤثرات والتقنيات التي عززت إشباع الغرائز، مما نتج عنه العزوف من الجنسين وأصبحنا شعبا مغلقا نوعا ما.
الزواج التقليدي في السابق بواسطة تعارف الأهل أفضل، ومقبول نفسيا واجتماعيا أكثر، وساري المفعول حتى الآن، وما استجد علينا اليوم يجب الوقوف عليه، لذا يجب ألا نثق بالخطابة ثقة عمياء، فهي مجرد تاجرة ووسيلة، والدالة على بداية المنعطف فقط، ونحن من يتحمل كل النتائج، مهنة لكسب الرزق قد تكون لتوفيق رأسين بالحلال تتدرج بين الأمانة والصدق والنصب والاحتيال، كونها لا تحمل صفة رسمية باسم ورقم مستعار. ومع اختلاف الأسباب إلا أن الهدف يعد نبيلا إلى حد ما في ظل انعدام البدائل. وما أنا بصدده الآن هو وجودها، الذي أصبح أساسيا في الوقت الحالي! والإحصائيات تشير إلى وجود أرقام فلكية وأعداد مهولة قد لا يخلو بيت سعودي أو حتى خليجي ممن تجاوزوا سن الزواج شبابا وفتيات.
والسؤال هنا: هل الخاطبة حل جذري؟ وهل ساهمت في تقليص العزوف عن الزواج؟ وهل لها قبول في المجتمع؟
الذي أراه ورغم تواجدهن بكثرة على وسائل التواصل، فإنه يعد أحد الحلول المجدية في الوقت الحاضر، وكمبدأ جيد نحن الآن بحاجة إليه أكثر من أي وقت مضى. أصبحنا مجتمعات شبه مغلقة برغم الرفاهية الموجودة لانعدام الترابط الاجتماعي بين العوائل، والتعصب واستغلال بناتنا الموظفات، والتشبع عند الفئتين موجود تحت ظل التقنيات، فلم يعد الزواج مطلوبا مثل السابق وأصبح العزوف سيد الساحة، لذا فالخطابة حلقة وصل وربط بين الأطراف.
وللخروج من ذلك المأزق تتكاتف جميع الجهود للقضاء على تلك المشكلة بشكل ديني مدروس ومتقن، ومجتمعنا لا بد أن يعي خطورة وضع التعارف غير الشرعي.
كما أتمنى أن تؤخذ سطوري بعين الاعتبار وأن أجد أصداء لصوتي، لننقذ أخواتنا وبناتنا من الحرمان والقلق، في زمن تدغدغ فيه المشاعر والأحاسيس عبر شبكات الانترنت، وتثار الغرائز وتشجع الخيانات عبر مسلسلات الحب والضياع من هنا وهناك.
كل ما علينا هو دراسة السبب الحقيقي وراء هذا العزوف، والمثل المعروف يقول: أخطب لبنتك قبل ولدك.
ألم تعرض السيدة خديجة بنت خويلد رضي الله عنها نفسها للزواج من الرسول محمد صلى الله عليه وسلم قبل بعثته؟ هل رأى رسول الله حرجا في ذلك العرض؟ مع أنها كانت متزوجة من قبل وهي أكبر منه بخمس عشرة سنة؟ لا حرج في الدين مع فارق التشبيه بيننا وبينهم.
لا بد أن يكون هناك حراك اجتماعي ضد ظاهرة العزوف، وآن الأوان لفتح هذا الملف الساخن في برنامج حواري مع الشباب، ووضع خطوط ساخنة لمنع العضل وللحد من تسلط أولياء الأمور، ومحاربة غلاء المهور الذي دعا المواطن للزواج من الخارج. وعلينا نبذ الأعراف والتقاليد البالية بمنع تزويج الصغرى قبل الكبرى إضافة للشروط التعجيزية وعدم تكافؤ النسب والذي أصبح شائعا الآن وصحفنا تشهد بذلك.
ومن هذا المنبر أحيي قسم الإرشاد الديني في المستشفى العسكري على نشاطاته بدعوى الموظفين إلى الزواج من الطبيبات مع تكاتف دعاة الخير والأئمة في المنابر، والتنسيق بين الفتيات من خلال جمعيات المرأة في المحافظات والمناطق، وفتح باب التعدد وتشجيع الشباب وتوجيههم الوجهة الصحيحة، والدولة تتحمل جانبا كبيرا من المسؤولية بالحد من البطالة وحل أزمة السكن، وتوفير بيئة عمل جيدة، ولن تكون هناك عوائق، إن شاء الله، بتكاتف المقتدرين والمحسنين ووجهاء البلد لحل تلك المعضلة وللحد من العزوف والتشبع، إن جاز لي التعبير، وسنرى أثر ذلك قريبا، إن شاء الله.
الحرب على العنوسة من الخاطبات إلى الحراك الاجتماعي
4 دقائق للقراءة

حجم الخط
