لم يعد الانفصام حالة مرضية فردية، بل أوشك مجتمع بكامله أن تلبسه حالات انفصام مُربكة وتُمارس بزهوٍ واغتباطٍ عظيم، وكي أبتعد عن جلافة لغة التنظير فإنني سألجأ للحكايات وشيء من (تكاذيب الأعراب)، وسأكثر من (يُحكى) باعتباره فعلا مبنيا لكائن من كان (المجهول) الذي (تُقيّد) ضدّه الجرائم التي لا يتم التوصل لفاعلها في الدول المتقدمة، أما في الدول العربية فلا (تُقيد) ضدّه الجرائم، بل يبقى هو (مجهولاً)، والجرائم - غالباً - لا تُقيّد بل تبقى بكامل (حُرّيتها)، أها! كأنني هربت من أسلوب المنظّرين ووقعتُ في سفسطة السبويهيين؟!
تقول الحكاية إن هذا الرجل الذي يظهر على شاشة (التلفزيون) ويلوح الوقار الأبيض بما تبقّى من شَعره ويتحدث بحماس كبير وبأفكار وحيوية متدفقة بأنه رجل (خبير) في الشأن التربوي والتعليمي، وللأمانة يبدو للمشاهد كذلك لما يتمتع به من إلمام كبير بالنظريات التربوية الحديثة والقديمة، وله (كاريزما) آسرة جداً، ولباقة في الحديث، وإيصال فكرته بوضوح، المُلفت بتعريفه المختصر الذي ظهر أسفل الشاشة هو (إضافة) كلمة (سابقاً)، أي أن الرجل (متقاعد)، وهُنا (مربط الفرس)، بل هُنا (إسطبل الحكاية)، فالبديهي أن رجلا بهذا الحضور الذهني اللافت وبهذه الرؤى المتّقدة حماساً لا بد أن يكون أثرى المكان قبل أن يغادره متقاعداً، لكن الواشي النمّام (قوقل) يقنعني دوماً بأن سفن الحقيقة لا تجري بما تشتهي الأمنيات، فالرجل ما هو سوى (أنموذج) أو (عينة) يمكن القياس عليها لدراسة حالة فصام المجتمع متعدد الشخصيات!
فحياة هذا الرجل - كما تقول الحكاية - بدأ معلماً متذمراً من سوء (حفظ) التلاميذ الصغار، ويراهن دوماً على فشلهم في النبوغ والتفوق، وفي نهاية العام يستعرض درجات طلابه أمام الزملاء يذكّرهم بتنبئه من قبل بفشلهم وهو مزهو بنجاح رهانه، يتجاوز (قوقل) - بصفته راوي الحكاية - بقية سيرة الرجل وكأنه يترك لنا النهايات مفتوحة ليحفّز خيالنا كي نتنبأ نحن بخاتمة الحكاية، لكنه (قوقل) يعود من جديد (فيلقنك) نهاية الحكاية، حيث إن هذا الرجل عمل على رأس هرم تربوي وتعليمي مهم لفترات طويلة، ولم يترك بعد رحيله أي إنجاز يذكر سوى تعميمات صارمة تخص أوقات الحضور والانصراف، ولهذا نصل لمقولة شبيهة بمقولة المعلم ألبرت أينشتاين: (الثقافة هي ما يبقى بعد أن تنسى كل ما تعلمته في المدرسة)، فنقول إن النظريات والتطوير وخلق فريق مبدع هي الأشياء التي تنساها عندما تكون على رأس العمل وتتذكرها عندما تُحال للتقاعد!
مثل هذا النموذج ينبغي أن يكون (مستشاراً لشؤون التطوير) ليس لأننا نراهن على أفكاره، فالذي لا يجاهر بأفكاره وهو على رأس العمل ويقاتل لأجلها لا يعوّل عليه في أوقات الاستشارات، والأهم أن المستشار في العالم العربي لا يؤخذ برأيه، فالمستشار له مزايا لا يجهلها أحد، ولا يحصل عليها إلا أولو العزم من اللبقين، مقابل أن يقول رأيه موافقاً على ما قرره المسؤول، وفي بعض الأحيان يؤخذ رأيه من باب (شاورهم واعصهم!) ليس بقصد (كسر خاطره الكريم) وإنما كي يشعر المسؤول أن حوله أفكارا كثيرة تؤيده وتعارضه، الفائدة الوحيدة التي سنجنيها من تعيينه هي انشغاله عن الظهور في التلفزيون والاعتراض على كل خطوة يخطوها الآخرون والتفرغ لتبيان عيوبها، ولا نريد أن نتجنى على الرجل ونقول إن خطواته لم تكن موفقة، فمن الصعب الحكم على خطواته لأنه قضى عمره الوظيفي (جالساً) لم يتحرك كي يتم الحكم على خطواته!
تقول الحكاية إنه وبعد نشر المقال فوجئ الكاتب برسائل كثيرة تسأل عن بطل القصة، والغريب أن كل رسالة تسرد أكثر من اسم ثم تتساءل: من تقصد منهم؟!
يقول سارد الحكاية إن الكاتب ابتسم ولم يجب، ويقول آخر إنه قال: أقصدهم جميعاً، والأرجح أن المساحة لم تعد كافية لسرد الأسماء!
حكاية منظّر تلفزيوني متقاعد!
فهيد العديم3 دقائق للقراءة

حجم الخط
