لقد بات معروفاً أن ما يجري الآن في العراق هو أكبر من «داعش» ولن ينتهي بنهايتها، ولا ينم السياق عن كون هذه الفئة هي حصراً المعنية بانتزاع حق المسلمين العرب السنة، في العدالة في وطنهم من براثن الحكم الطائفي المتغوّل والمهيمن على مركز الحكم في بغداد. فلـ «داعش»دوافع ثأرية لا ينكرها أحد، نجمت عن فظائع اقترفها أهل الغلو على الطرف الآخر، فطرحت نفسها أكثر غلواً وجنوناً!
لم يبدأ نوري المالكي، للأسف، في القراءة الصحيحة لما يحدث في العراق، بل إنه يفعل العكس تماماً، إذ بدأ ردود أفعاله في الاتجاه الخاطىء، وأراد أن يحمّل الآخرين المسؤولية عن كل ما حدث، علماً بأن الأمريكيين والمرجعية الدينية التي يتبعها والضباط الفارين من المواجهة والطبقة السياسية، يحمّلون جميعهم نوري المالكي حصراً المسؤولية عن الانفجار ذي الطابع الاجتماعي والطائفي.
كان خادم الحرمين الشريفين، الملك عبدالله بن عبدالعزيز، أول الناصحين لنوري المالكي في بداية تسلمه لرئاسة الحكومة في مايو 2006 . وتشير إحدى برقيات «ويكيليكس» المسربة إلى أن ديك تشيني نائب الرئيس الأمريكي بوش، حاول التوسط لنوري المالكي لدى العاهل السعودي، لكن الملك عبدالله كان قد اختبر مبكراً نوايا المالكي بعد أن توسم فيه خيراً. وكان جواب خادم الحرمين الشريفين لنائب الرئيس الأمريكي: «نحن لا نثق في هذا الرجل ولا نستطيع العمل معه. فهو عميل للإيرانيين، فعندما تقدم لنا بقائمة تعهدات مكتوبة، بأنه سيعتمد سياسة متوازنة، وينظر للعراقيين كمواطنين بصرف النظر عن طوائفهم، توسمنا خيراً، لكنه لم ينفّذ أياً من هذه التعهدات»!
في انتخابات 2010 البرلمانية لم يحصل الائتلاف الذي يتزعمه المالكي على أكبر عدد من المقاعد، فقد زاد عدد المقاعد التي حصلت عليها قائمة «العراقية» برئاسة إياد علاوي على عدد أعلى بمقعدين (91 مقابل 89)، لكن مفاعيل الاصطدام الإيراني الأمريكي في إدارة الشأن العراقي عطلت تشكيل الحكومة لعشرة أشهر، وظل العراق معلقاً الى أن تحقق التفاهم بين طهران وواشنطن، على قواسم مشتركة، وكانت هناك تعهدات من قبل المالكي لطمأنة كل مكونات الشعب العراقي. وجاءت النتيجة على النحو الذي يتحدث فيه العراقيون السنة وممثلو العشائر، وهي أن الرجل كان يُجزل الوعود لهم، ويطلب صبرهم متعللاً بمصاعب في البرلمان، ثم اتضح أن المشكلة فيه هو وليست في البرلمان، وأنه لا ينفذ إلا ما تأمره به طهران، وعليه لن يكون هناك مستقبل للمواطنين العراقيين السنة يزيد عن مستقبل عرب المحمرة وعربسان التي ضمتها إيران. وبحكم هذا الواقع، كان العراقيون المتأذون من هذه السياسة معنيين بالثورة على النظام الطائفي. وهذا الأخير يلعب بورقة الإرهاب نفسها، التي يلعب بها المحتلون الإسرائيليون، والنظام الحاكم المستبد في سوريا. فقد حاول المالكي اختصار ما يحدث في العراق بأنه رياح إرهابيين، وحاول إقناع العراقيين والعالم أن فرار ضباطه وجنوده كان بسبب الجُبن وليس بسبب طبيعة الدور القمعي المهين، الذي دفعت حكومة بغداد القطعات العسكرية إليه في الموصل وفي المناطق ذات الكثافة السُنية.
لم يكن المالكي يصلح للمرحلة التي مرت، وبالتالي هو ــ قطعاً ــ لا يصلح للمرحلة المقبلة، لأنه عاجز عن تعلم الدرس ولا يتأمل ولا يتعظ. إن المرحلة المقبلة في العراق تتطلب من هو قادر على قراءة التاريخ القريب. فعندما واجه العراقيون استبداد الحاكم السُني، وقف العرب السنة في الإقليم إلى جانبهم، وكان الخلاف العربي العربي، في التوصيف الطائفي، سُنياً سُنياً في الغالب الأعم. فقد تطلعوا هم من جانبهم إلى متطلبات مشروعهم الطائفي، والاستحواذ على العراق، بحيث تترابط كتلتان بشريتان من الشيعة، تقودهما مرجعيات القومية الغالبة التي لم تخن تاريخها، وهي القومية الفارسية. ففي هكذا معادلة، يتقبل وجهاء الشق العربي، من الطائفة نفسها، دور التابع، وهذا دور مطروق في التاريخ، وعرفته الدولة الصفوية، كما عرفته الفترة الاستعمارية في القرن العشرين. وعندما تحقق لرموز ومرجعيات الشيعة العراقيين ما أرادوا، لم يتواضع القوم ولم يكلفوا أنفسهم حتى مشقة التحايل المهذب الذي يوحي بأنهم يحترمون الطائفة السنية ذات التاريخ الحافل بالنضال من أجل استقلال العراق في مرحلة مبكرة، بل إن المالكي تحديداً، عندما اختار لحظة صلاة الفجر في عرفة، وبدء مناسك الحج، موعداً لتنفيذ حكم الإعدام في صدام حسين، بدا راغباً في إيقاع شرخ في العلاقة بين سنة العراق وشيعتها، هذا إن لم يكن يريد شرخاً أوسع. فقد استنكر الأمريكيون أنفسهم الذين سلموا صدام لأعدائه، الطريقة الثأرية لتنفيذ الإعدام والتوقيت. فقد كان ذاك هو منحى المالكي الذي يواجه اليوم نتائج ما صنعت يداه!
المالكي ونتائج ما صنعت يداه
عدلي صادق4 دقائق للقراءة

حجم الخط
