في نهاية 2011 قالت وزيرة الخارجية الأمريكية ـ وقتئذـ هيلاري كلينتون: مثلما كان القرن العشرون هو قرن المحيط الأطلنطي، فإن القرن الحادي والعشرين هو قرن المحيط الهادئ بالنسبة للولايات المتحدة.
هذا التحول الاستراتيجي باتجاه آسيا والشرق الأدنى عبر شراكات اقتصادية، سياسية، وأمنية “عسكرية”، اعتبره بعض المحللين إعادة للتوازن وتصحيحا لمسار طويل من السياسات الخاطئة، في مقدمتهم جوزيف ناي الأستاذ في جامعة هارفارد ومساعد وزير الدفاع الأمريكي الأسبق، الذي قال: إن الولايات المتحدة بعد أن أهدرت العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، في حربين يائستين في العراق وأفغانستان، بدأت تنتبه لما يحدث في آسيا والمحيط الهادئ.
وترجم هذا الاهتمام باتخاذ أول قرار للرئيس باراك أوباما بإرسال 2500 جندي من مشاة البحرية الأمريكية إلى قاعدة “داروين” في شمال أستراليا، وكانت أقوى إشارة إلى أن التحول الأكبر للقوى العظمى في القرن الحادي والعشرين هو: “عودة آسيا إلى مركز الشؤون العالمية”.

احتواء الصين

في 2009 قام الرئيس الأمريكي الجديد ـ وقتئذـ باراك أوباما بجولة آسيوية أثارت قلق معظم الحلفاء، فقد أثبتت للأوروبيين بما لا‮ ‬يدع مجالا للشك،‮ ‬أن التغيرات في أولويات الإدارة الأمريكية الجديدة تركز أكثر على الجانب الآخر من المحيط الهادئ باتجاه الصين،‮ ‬وليس على الضفة الأخرى من المحيط الأطلنطي‮ “‬أوروبا‮”‬،‮ ‬وجاءت تصريحات‮ ‬أوباما‮ ‬لتعزز هذا التوجه‮: ‬الصين شريك استراتيجي‮ ‬يجب أن‮ ‬يلعب دورا أكبر في العالم‮.
‬تصريحات أوباما أغضبت الهند أيضا حيث اعتبرت أن حديثه عن دور الصين الاستراتيجي، تهديد مباشر لها، خاصة أن هذا الدور في “آسيا” يعود إليها وحدها، كما كان من غير اللائق أن يتحدث الرئيس أوباما عن الصين “وهي الخصم والحكم في نفس الوقت” بوصفها قادرة على الاضطلاع بدور في كشمير محل الصراع بين الهند وباكستان.
وفي 2010 زار أوباما الهند وإندونيسيا وكوريا الجنوبية واليابان، بعد أن اختلطت كل الأوراق السياسية حيث لم يعد معروفا من سيتحد مع من؟ هل أمريكا والهند ضد الصين، أم أمريكا والصين ضد الهند؟ كانت الهند أول وأطول محطة في جولته الآسيوية “3 أيام”، وبحسب نائب مستشار الأمن القومي للشئون الاقتصادية الدولية مايك فرومان، فإن الهند سوق كبير “1.
2 بليون نسمة” واقتصادا يتوقع له أن يحقق نموا سريعا بنسبة 8 % في المستقبل.
صادرات الولايات المتحدة من البضائع إلى الهند، زادت بمقدار أربعة أضعاف إلى ما قيمته 17 بليون دولار خلال السنوات الماضية، كما ضاعفت صادرات خدماتها بمقدار ثلاثة أضعاف إلى نحو 10 مليارات دولار سنويا، في المقابل أصبحت الشركات الهندية هي ثاني أسرع مجموعات الاستثمار نموا في الولايات المتحدة، إذ تدعم 57 ألف فرصة عمل أمريكية.
ويبدو أن مطالب الصين في بحر الصين الجنوبي وطموحاتها البحرية، التي خرجت إلى العلن بدءا من 2011 أكدت رؤية الهند وتوقعاتها وأثارت قلق حلفاء الولايات المتحدة جميعا، خاصة مع إعلان الرئيس الصيني هو جينتاو أنه طالب القوات البحرية بـ”تسريع عملية التحديث التي تجريها، والقيام بالاستعدادات المكثفة للمعركة العسكرية المقبلة، من أجل الحفاظ على الأمن القومي والسلام العالمي”.

اليابان والهند

لقد أدركت اليابان والهند أخيرا ومعظم دول “آبيك”، أن الشراكات الاقتصادية الأكثر استقرارا على مستوى العالم، كانت مبنية على قاعدة متينة من التعاون الأمني، وباعتبار افتقار هذه الدول إلى الطاقة، والاعتماد بشدة على واردات النفط من الخليج العربي، ينتاب الجميع القلق البالغ من محاولات سيطرة الصين البحرية على إمدادات الطاقة ونقلها، فضلا عن قوتها العسكرية المتنامية.
ولهذا السبب وافقت اليابان والهند – على سبيل المثال - على البدء في إجراء تدريبات بحرية وجوية مشتركة بداية من 2012، بالإضافة إلى التعاون المشترك في مجال الدفاع الصاروخي مع الولايات المتحدة وإسرائيل على التوالي، من أجل الحفاظ على الاستقرار في المحيطين الهندي والهادئ.

نبوءة كيسنجر

في حوار نادر لهنري كيسنجر مستشار الأمن القومي الأمريكي ووزير الخارجية الأشهر في مرحلة الحرب الباردة مع صحيفة ديلي سكيب، اليومية التي تصدر في نيويورك، قال: الولايات المتحدة هي المنتصر الوحيد مما يحدث الآن، فقد تركت واشنطن الصين تضاعف من قدراتها العسكرية، وروسيا حتى تتعافى من الإرث الشيوعي، وتندمج في الاقتصاد الرأسمالي، وهو الأمر الذي جعل كلا من الصين وروسيا قوى عظمى، ويبدو أن هذا الشعور المبالغ فيه بتلك القوة سيكون سببا في سرعة زوالهما، ومعهما إيران التي يعد سقوطها هدفا استراتيجيا لإسرائيل حتى يحدث التوازن العالمي.
التحول الاستراتيجي الأمريكي باتجاه آسيا والمحيط الهادئ – حسب كيسنجر – معناه أن التنين الصيني والدب الروسي لن يفكرا في المواجهة العسكرية مع الولايات المتحدة أبدا، لأن كلاهما يعلم علم اليقين أن أمريكا ستخرج منتصرة لأنها تمتلك أكبر ترسانة للأسلحة المتقدمة في العالم، ولا يعرف الروس أو الصينيون عنها شيئا، وأي مغامرة عسكرية في محيط الحلفاء الاستراتيجيين للولايات المتحدة، ستظهر قدراتها كقوة عظمى وحيدة تسيطر على العالم وتقيم الحكومة العالمية.

شراء الديون

حجم الديون الأمريكية التي اشترتها الصين أخذ شيئا فشيئا يقلقها،‮ ‬فالصينيونلا يعرفون كيف يتصرفون فيها الآن،‮ ‬والجانبان باتا مرتبطين بعضهما ببعض‮ ‬ولم يجد أي منهما مخرجا من هذا الوضع بعد‮.
‬وإذا كانت المنافسة بين الدولة الأولى والثانية في العالم،‮ ‬أمريكا والصين،‮ ‬أمرا قائما وموجودا منذ قرون طويلة،‮ ‬فإنه لم يحدث قط في التاريخ أن وجد هذا الترابط الكامل بين الدولتين المتنافستين،‮ ‬فكل من الصين وأمريكا تستطيعان أن تلحقا الضرر بعضهما ببعض،‮ ‬وبنفس القدر،‮ ‬وهو أمر جديد كل الجدة ولكنه في نفس الوقت مطمئن بالنسبة لمستقبل السلام العالمي‮.
‬والعكس هو الصحيح،‮ ‬كما يؤكد الصحفي المخضرم توماس فريدمان في كتابه المهم‮ ‬”العالم مستو‮، ‬موجز تاريخ القرن الحادي والعشرين‮‬”،‮ ‬إذ ربما كانت بنية رأس المال العضوية الراهنة،‮ ‬أو بالأحرى عملية الإنتاج العالمية،‮ ‬ورأس المال أحد مكوناتها،‮ ‬من التداخل والتشابك والتعقيد إلى درجة قد تمنع قيام الحروب،‮ ‬التي عرفناها،‮ ‬مستقبلا‮.

‬احتواء التوتر

على الصعيد الاستراتيجي، يسعى أوباما لاحتواء بؤر التوتر في آسيا والمحيط الهادئ، وهو يعلم تمام العلم أن الصين وروسيا طبعا، كلما اكتسبتا قدرا أكبر من القوة الاقتصادية كلما تعاظم طموحهما إلى تغيير الوضع الإقليمي، وهو ما يحدث في بحر الصين الجنوبي والشرقي على حدود الهند، وفي أوكرانيا وشبه جزيرة القرم بالنسبة لروسيا بوتين.
المفارقة هنا أنه كلما انفتحت الصين وروسيا على رأسمالية السوق، كلما كانتا أكثر ميلا إلى النزعة القومية (الشيفونية)، كبديل للشيوعية وكمصدر للشرعية السياسية، وبالتالي فإن العدوانية الإقليمية في محيطهما الآسيوي أو الأوروبي تترافق وتتداخل مع النزوع للماضي الوطني.

ضمان الاستقرار

الولايات المتحدة ستحتاج إلى حلفاء أقوياء في آسيا بالمستقبل القريب في مقدمتهم المملكة العربية السعودية (واتحاد دول الخليج العربي) لضمان الاستقرار الاقتصادي في آسيا، حيث تربط السعودية علاقات متميزة ومتوازنة مع الجميع دون أي إرث عدواني أو تاريخ استعماري يمنعها من الحركة، وذلك للقيام بدور “الكتاليست” – قلب المفاعل – في الدمج بين الاتحادات الآسيوية المختلفة والتعاون والمنفعة المتبادلة مع دول آسيا والمحيط الهادئ، وربما كانت زيارات ولي العهد سمو الأمير سلمان التاريخية لدول آسيا هي التمهيد الضروري لهذا الدور الذي ينتظره الجميع من أكبر دولة عربية وإسلامية في آسيا والعالم.


هل الصين أذكى من روسيا؟

بكلمة واحدة، نعم! مغامرة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في أوكرانيا وشبه جزيرة القرم، ستنتهي إلى إلحاق الضرر البالغ بروسيا، ولا يتصور أحد أن العلاقات الاقتصادية بين روسيا والغرب ستظل كما كانت عليه من قبل، فروسيا هي الخاسر الأكبر اقتصاديا، لأن صادرات روسيا من الغاز إلى أوروبا تشكل أقل من 10 % من استهلاك أوروبا للطاقة، وتستطيع أن تستغني عنه تماما مع الاكتشافات الهائلة للغاز في الولايات المتحدة أو أن تعوض المملكة العربية السعودية هذا النقص.
أما رهان بوتين على الصين لتعويض الخسائر من عائدات النفط أو تجميد المشاريع الاستثمارية المشتركة مع الغرب، فهو رهان خاسر يكشف عن عدم حنكة سياسية سواء بالنسبة لحركة الاقتصاد في العالم أو في المسار الذي فرضته التكنولوجيا الجديدة في القرن الحادي والعشرين.
أما الصين فهي أكثر خبرة وذكاء من أحلام روسيا القيصرية (اليوتوبية)، إذ يصعب تقسيم العالم إلى كتل اقتصادية منفصلة ومعزولة، وما كان للصين أن تصبح القوة الاقتصادية الثانية والمرشحة بقوة لتحتل المكانة الأولى في العقدين المقبلين، لولا علاقاتها الاقتصادية الجيدة مع الغرب (الولايات المتحدة وأوروبا).
كان يفترض أن تتعلم روسيا الدرس القاسي لسقوط الاتحاد السوفيتي السابق، ولكنها جينات قيصرية يصعب ترويضها، فقد انهار الاقتصاد السوفيتي بسبب عزلته عن اقتصادات العالم المتقدمة تكنولوجيا.
المعضلة التي تواجه طموحات بوتين هي أن الحصول على التكنولوجيا المتقدمة يرتبط ارتباطا رحميا واندماجيا مع شركات الإنتاج العالمية، خاصة في ألمانيا واليابان وأمريكا والصين منبع التكنولوجيا المتطورة والهندسة المتقدمة، فكيف سيتسنى له ذلك؟

قوى عظمي دون أنياب

يصعب فهم التحركات الأخيرة للصين وروسيا أو حتى كلام المخضرم كيسنجر، إذا لم نتتبع تطور الاقتصاد العالمي في الربع قرن الأخير،‮ ‬أي في أعقاب نهاية الحرب الباردة وتفكك المعسكر الاشتراكي 1989،‮ حيث ‬نجد أنه كان هناك مصدران أساسيان لهذا التطور في العالم:‮ الأول تمثل في إدخال موارد جديدة في الاقتصاد العالمي مثل أراضي دول المعسكر الاشتراكي المنهار وإمكاناته وشعوبه.
والثاني،‮ ‬يرتبط بالأول، هو أن الولايات المتحدة ودول أوروبا قدمت قروضا هائلة ساعدتها على النمو السريع،‮ ‬كما ساعدت الصين وروسيا في تحقيق نمو اقتصادي كبير في هذا المجال واستخدمت آليات كثيرة ومختلفة،‮ ‬منها ثنائية السوق الاستهلاكية الأمريكية والصناعات التصديرية الصينية.
وهذه كانت إحدى الآليات المهمة للاقتصاد العالمي إجمالا،‮ ‬حيث جعلت القروض سهلة المنال ومنخفضة النسب وشروط الحصول عليها أسهل بدرجة كبيرة،‮ ‬وبفضل هذه القروض السهلة ارتفع الطلب الاستهلاكي،‮ ‬إلا أن مسؤولية تسديد هذه القروض كان يجب أن يتحملها أحد ما،‮ ‬وهذا الأحد كان‮ ‬الصين‮ ‬التي أخذت تشتري الديون الأمريكية وتدخر احتياطات كبيرة،‮ ‬كما شاركتها في ذلك دول أخرى،‮ ‬في نفس الوقت سمحت هذه الآليات للصين بخلق سوق استهلاكية تصدر لها بكميات هائلة ما تنتجه،‮ ‬وهذه المنظومة ظلت فعالة لفترة طويلة إلا أن مواردها قد انتهت حاليا لأسباب عدة‮.

فارقة الداخل والخارج

لا شك في أن كلا من الصين وروسيا لديهما مشكلة “خاصة جدا”، بحاجة إلى حل سريع وعاجل، وهي استخدام المغامرات الخارجية – على خطورتها – لإرضاء الدخل وتجييشه بإعلاء النعرات القومية التي تتعارض مع موجات العولمة الاقتصادية المتلاحقة، وإن شئنا الدقة، فإن التلويح بالحروب العسكرية في الخارج هو تعبير عن ضعف ما داخلي، ومحاولة لإيجاد قاعدة سياسية في الداخل، ولا حل أمام الدولتين إلا المزيد من الاندماج الاقتصادي العالمي والامتثال للقانون الدولي الذي انتهك من جميع القوى في الفترة الأخيرة.


أقاويل القوة الصارمة والنعرات الناعمة

بعيدا من محاولة الربط بين عودة أوباما للملف الاقتصادي – الأمني في آسيا والمحيط الهادئ وبين فشله في ملفات الشرق الأوسط الثلاثة فضلا عن الأزمة الأوكرانية – الروسية في أوروبا، وأن وزير خارجية الولايات المتحدة جون كيري ركز اهتمامه على قضايا الشرق الأوسط بينما انصب اهتمام هيلاري كلينتون على آسيا والمحيط الهادئ.
هذه كلها أقاويل لا ترقى إلى المعلومات في دولة عظمى مثل الولايات المتحدة تحكمها استراتيجيات بعيدة المدى ومؤسسات ديمقراطية تخطط للمستقبل علميا وتستطيع أن تضبط ساعتك بدقة على جدول أعمالها كل يوم.

القرن التاسع عشر المتجدد

ما نشهده اليوم من تحرك البحرية الصينية في المياه الإقليمية في بحر الصين الجنوبي، وما قامت به روسيا من اجتياح شبه جزيرة القرم وأجزاء من أوكرانيا، هو عودة للفكر السياسي في القرن الـ19 الذي قام على التنافس بين الدول القومية عن طريق القوة العسكرية الصارمة والنعرات القومية الناعمة.
وبالتالي إسقاط كل الجهود السياسية عبر الوطنية المتجاوزة للقوميات التي حفل بها القرن العشرين منذ إنشاء الأمم المتحدة 1948، وصولا لآفاق التكامل والاندماج الاقتصادي المعولم في القرن الـ 21.
من هنا فإن تعزيز أمريكا لوجودها العسكري في آسيا مهم جدا الآن، وليس قبلا، وزيارة أوباما لآسيا محاولة جادة لطمأنة وإقناع الحلفاء بأن دورهم إيجابي ومهم في المستقبل رغم تحركات الصين البحرية العسكرية وأنها ستصبح من أقوى اقتصادات العالم، ناهيك عن تلويح كوريا الشمالية بتطوير الصواريخ الباليستية النووية والتهديد بتبديد الجهود الرامية إلى استئناف المحادثات السداسية النووية وتجريد شبه الجزيرة الكورية من الأسلحة النووية.

تفوق النسر الأمريكي

المشكلة أن دعم الولايات المتحدة لاستراتيجية دول آسيا الإصلاحية الموجهة نحو اقتصاد السوق والتجارة الحرة اصطدم دائما بالحنين القومي الماضوي لهذه الدول أكثر من انفتاحها على المستقبل، إن جاذبية القومية والشيوعية لا تكمن في الأيديولوجيا ذاتها بقدر ما تتمثل في قدرتها على المساعدة في تعزيز ازدهارها.
صحيح أن الصين (كمثال) ستصبح قطبا عالميا في المستقبل المنظور نتيجة لانفتاحها على الرأسمالية، إلا أن المجالات الأساسية كالابتكارات الحديثة والاختراعات ستبقى في أيدي الأمريكيين، كذلك القدرات العسكرية للولايات المتحدة، مهما بذلت الصين (ومعظم دول العالم) من جهود جبارة في هذا الصدد.
ويكفي أن نعرف أنه في العام 2013 فقط وصل تفوق الأسطول العسكري الأمريكي إلى درجات هائلة، إذ كان أكبر من كل أساطيل العالم 14 مرة.
لذلك لن تتمكن الصين من مضاهاة الولايات المتحدة لبعض الوقت.
وإذا استمرت الميول الإقليمية التوسعية لها، فإن الصين ستضطر إلى تكريس نسبة متزايدة من مواردها للإنفاق على مؤسستها العسكرية على حساب سكانها عموما، والذين سيجد قادة الصين صعوبة متزايدة في تلبية توقعاتهم.
في هذه الحالة، فإن ازدهار الصين اليوم - من المرجح - أن يكون عابراً زائلا، ولا شك في أن الدول المجاورة المتخوفة من سلوك الصين قد تسعى إلى طلب الحماية تحت جناحي النسر الأمريكي وهو ما حصل اليوم بالفعل.

آسيا هي المستقبل

اللحظة الراهنة بالغة الأهمية في تشكيل مستقبل الاقتصاد العالمي، ويبدو أن صعود آسيا وتفوقها الاقتصادي فاق كل التوقعات العالمية.
والشراكة عبر المحيط الهادئ تضم 12 دولة تمثل 40% من إجمالي الناتج الداخلي العالمي: الولايات المتحدة واليابان وأستراليا وبروناي وكندا وتشيلي وماليزيا والمكسيك ونيوزيلندا وبيرو وسنغافورة وفيتنام، حيث تعد أمريكا واليابان أكبر اقتصادين في هذه الشراكة لذا فإن زيارة أوباما لليابان تحديدا محاولة لإبراز قوة التحالف بين الدولتين وهو ما سيجعل سلوك الصين سلميا ومسؤولا في المستقبل، حيث تخوض الصين حاليا نزاعات إقليمية مع كل من الفلبين وبروناي وتايوان وفيتنام في بحر الصين الجنوبي.
أوباما زار أربع دول: اليابان وكوريا الجنوبية وماليزيا والفلبين، ويبدو أن الفلبين هي الحصان الأسود الرابح عسكريا في هذه الزيارة ذلك أنها أهم لاعب في احتواء صعود الصين، فقد أدى انسحاب البحرية الأمريكية من خليج سوبيك وتسليمه للسلطات في مانيلا 1992 إلى زيادة أطماع الصين العسكرية في كل من جنوب وشرق بحر الصين، وتصاعد احتمال المواجهة بين الدولتين.
لذا من المتوقع عقد اتفاق عسكري تاريخي بين أمريكا والفلبين من شأنه أن يمنح السفن والطائرات الحربية الأمريكية إمكان الوصول الأوسع والأسرع للقواعد العسكرية في “داروين” في أستراليا وصولا لليابان وكوريا الجنوبية.
يذكر في هذا الصدد أن تعزيز التعاون الأمني بين الحلفاء الثلاثة: أمريكا وكوريا الجنوبية واليابان، قد تم في واشنطون يومي 16 و17 أبريل الماضي أي قبل زيارة أوباما لآسيا بأسبوع تقريبا، وهو تعاون بدأ في 2008 وانعقد خمس مرات على مستوى نائب وزير الدفاع وارتفع إلى أعلى المستويات اليوم.

القوة الناعمة في الفلبين

زيارة أوباما إلى ماليزيا لها شأو خاص..فقد كانت مقررة العام الماضي 2013 لكن شلل الميزانية والصراع بين الحزبين الديمقراطي والجمهوري داخل الكونجرس أدى إلى تأجيلها، وهي أول زيارة يقوم بها رئيس أمريكي منذ زيارة الرئيس ليندون جونسون في العام 1966.
وتكمن أهمية هذه الزيارة ليس في الجانب السياسي حيث التقى رئيس الوزراء الماليزي نجيب رزاق، وإنما في عقد جلسة نقاش مفتوحة في جامعة مالايا مع الشباب في جنوب شرق آسيا تتضمن أسئلة وأجوبة تتعلق بالمستقبل، وهؤلاء الشباب هم العمود الفقري للطبقة الوسطى التي يغازلها أوباما والتي وصفها بأنها محرك استثنائي للنمو.
وهو هنا يستجيب لنصيحة جوزيف ناي‮،‮ ‬عميد معهد كيندي للعلوم السياسية في جامعة هارفارد،‮ ‬بإستخدام “القوة الناعمة‮” مع شباب آسيا في القرن الـ 21..‬وتعريف هذه القوة الجديدة،‮ ‬هو‮: ‬القدرة على صياغة خيارات الآخرين‮..‬وأن تكون نموذجا يحتذى،‮ ‬يجذب الآخرين ويدفعهم إلى أن يفعلوا ما تريد.
واشنطن تتبع مصالحها الاقتصادية في آسيا وسط طموحات الطبقة الوسطى هناك بامتلاك الأجهزة التكنولوجية والالكترونية، ومن ثم تعد آسيا سوقا لا يمكن إغفاله وهذه هي خطة أوباما لعام 2015 التي تهدف إلى مضاعفة صادرات أمريكا لمواجهة تحديات نمو التنين الصيني كي يترك بصمة أكبر في آسيا.
والسؤال الذي يطرح نفسه،‮ ‬هو‮: ‬كيف يمكن أن نستفيد من هذه الشراكات الاقتصادية المستقبلية، ‬وكيف نعظم مطالبنا وأهدافنا وشراكاتنا بما يضمن التنمية المستدامة لمجتمعاتنا؟..لقد أدرك الأمريكان قبل فترة نصيحة العالم الأسترالي‮ “كورال بيل‮”: ‬أن التحدي الأمريكي في عالم ما بعد الحرب الباردة،‮ ‬هو أن تعترف أمريكا بتفوقها بشرط أن تدير سياستها كما لو كانت تعيش في عالم مليء بمراكز القوى،‮ ‬ففي مثل هذا العالم ستجد الولايات المتحدة شركاء حقيقيين،‮ ‬ليس في تقاسم الأعباء النفسية للقيادة فحسب،‮ ‬بل في صياغة نظام دولي جديد..تُرى هل كان يقصدنا نحن أيضا!