لا أتحدث هنا عن «الحُزن»، حتى وإن كان أستاذنا الذي علمنا كيف نرِقّ وجعل قلوبنا تخفق.. وإنما أحدثكم عن البكاء، بل كآبة و»غنبجة القلب».. فالبكاء أحيانًا مطلب واحتياج، ينسّم عن النفس الضغوط والاحتقان.. إنه «الإسفنجة» التي تمتص ما علق في النفس من نغاصات الحياة وأكدارها.. وقد بكيت وضحكت في الصغر والكبر والسّفر والحضر كما لم يبك أحد قط.. وذاك ضعف إنساني وليس نقصًا معيبًا، فيه اكتمال إنسانيتنا.. وقد رأينا في تاريخ البشرية أمثلة فاضلة، لأسوياء أصفياء، لم تسلبهم الحياة حقهم في الضحك والبكاء حينما يرق لحال إنسان أو حتى حيوان ناب عنه في التعبير عن مشاعره، كتلك التي:
ناحت على غصنها الزّاهي فأبكانا
نواحها وأهاج القلب أشجانا
أكلما جنّ ليلٌ زدت تحنانا؟
صدّاحة الروض ما أبكاك أبكانا
نوحي بشكواك أو نوحي بشكوانا.
ويعد هذا «الكلام المتعوب عليه» الذي يحرك وجدان الإنسان في «أي صحرا كان أو بستان»، أوصيكم ونفسي أن نتعهّد قلوبنا.. فإن شأن القلب عجيب، ولا أدل على ذلك من أن الله الذي فطر القلوب ينظر إليها في كل ما يصدر عنا من أقوال وأفعال في كل الأحوال التي نكتمها ولا تخفى عليه!
وحتى لا أفيض وأعيد وأزيد، فأدلف إلى بوابة فحص وتمحيص و»ترصيص» ما أعطبه سوء الظن المفضي إلى «الإثم» فإني أخرج من الباب الذي دخلت منه راضيًا من الغنيمة بالإياب سالمًا معافى!
أحيانا نضحك بلا سبب، أو نبكي بلا سبب أو نبكي ونضحك في وقت واحد، كصاحب الشاعر الكبير «الأخطل الصغير»:
يبكي ويضحك لا حزنًا ولا فرحًا
كعاشق خطّ سطرًا في الهوى ومحا
من بسمة النجم همسٌ في قصائده
ومن مخالسة الظبي الذي سنحَا
قلب تمرّس باللذات وهو فتىً
كبرعم لمسَتْه الريح فانفتحَا
تعهدوا "فيوز" القلب!
يحيى باجنيد2 دقائق للقراءة

حجم الخط
