دون كثير أسئلة عن أحلام الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش)، المصنفة على قائمة الإرهاب في المملكة العربية السعودية، ودون تحليل عميق لما تطمح إليه من خلال أعمالها الإرهابية الدموية هنا وهناك، وأيضا بلا تعليق على خلفية ما يبثه بعض عناصرها من صور لضحايا الأعمال الداعشية المنذرة بتجمد الإنسانية وعدم الاعتراف بها أساسا في سبيل تحقيق الطموحات الانتقامية، ودون الخوض في تحركات القاعدة على الأرض العراقية وإعمال الآلة العسكرية العراقية، في مقابل كل ذلك وخلافه، تقول كل الأحداث الجارية وما سبقها عبر مراحل زمنية فائتة إن الوضع القائم في العراق حدث وينمو نتيجة تراكمات أحقاد دفينة تغذيها الطائفية وتشرف الذات المتورمة العدائية على كامل تحركاتها بالنسبة لكل الأطراف المتحركة على الأرض دون استثناء، وإلى ذلك انتقامات جبارة تتداولها السلطات العليا على أساس مذهبي صرف مع كل تتويج رئاسي، هكذا يقول التاريخ لعامة الناس لا أقل ولا أكثر.
هذا أبسط ما يمكن للعابر على سجل التاريخ - الماضي والحاضر- أن يلوح به في وسط المشهد وعلى أطرافه، لماذا يذهب المحللون إلى أقصى اليمين وأقصى الشمال، ألا يوجد في القوم من يفحص الحاضر من زاوية تبادل أدوار التهميش المذهبي بين العراقيين والآثار المترتبة عليه التي وصلت حد الإبادة في بعض الحالات. كل أحداث العراق عبر الأيام بتمويل مذهبي وبنتائج تكرس مفهوم الطائفية ويبقى الراسخ في الذهنية الإنسانية أن الكرسي الرئاسي العراقي في جل مراحل تداوله إن لم يكن كلها يبنى في كل مرحلة تجديد على هتافات بنكهة مذهبية وجثث بشرية ويزخرف بدماء المنافسين وتجدد ألوان الزخرفة بدماء الموالين المشكوك في طائفيتهم أيا كان نوع الطائفة، انطلاقا من مفهوم لكل زمان دولة ورجال ومذهب.
العراق اليوم يضيع ويصدر الضياع، يحتضر ويصدر الموت، وتبقى الطائفية تتحرك باتجاه إيقاظ الفتنة في كل مكان، كم هي ثرية تجربة العراق، كم فيها من إشارة لافتة للحكومات والشعوب الإسلامية، كم فيها من الدروس السياسية والاقتصادية ومعها العسكرية والإنسانية قبل كل اعتبار وفوقه وفي المقدمة لا شك. تعذب الإنسان العراقي وعُذب بأدوات الطائفية وآلياتها. حتى الغطرسة الرئاسية ولدت في هيئة مصطلح مزدوج تقاسمته القوة العسكرية المحلية والأجنبية على أرض العراق، وجرى دور الاستلام والتسليم بذات الصفة الانتقامية والإنسان العراقي في كل الخطوات هو الضحية، بلد فيه من الغرابة ما لا يشمله حصر حتى الجمال المعهود عن إنسان العراق وأرضه تلاشى وبددته الأحزان وشاخت به لحظات ترقب الانفراج العصي على القدوم في ظل الخلافات المذهبية المتوارثة وتَحول كل شيء مع الأيام إلى مزرعة للانتقام.
إنه العراق العربي المتعب بغرور قادته وحماقة من يسند لهم الرأي «أغراهم تمر البصرة وبترول العراق وأغواهم هتاف الماجدات» فقدموه بسهولة للعصابات واختاروا له من العصابات من يقوده ويُبركه بعد عناء مسير في معترك الحياة وهو شبه هازل لا يقوى النهوض. والسؤال يحاصره من نهب العراق، ماذا تبقى من جسر المسيب، من لوث الفرات بالغازات السامة المحرمة، ومن زرع على أطرافه الموت، من قتل الأنفس المحرم قتلها، من أحرم العراق من الحياة كل الإجابات تخر منحنية على أقدام الطائفية. وإلا فما هي الإجابات إذن؟!
الخلاصة، أن الاختلافات المذهبية المغلفة بالأحقاد شكلت معظم المشهد في الداخل العراقي وحددت نوع المسار السياسي الحالي للعلاقات العراقية مع الخارج وفي كل الأحوال لسان حال الواقع يقول إن ولاء الإنسان العراقي تحول تدريجيا بشكل أو بآخر من الولاء للوطن إلى الولاءات المذهبية وهنا تكمن الخطورة الآتية على الأخضر واليابس، وتبقى الأسباب المؤدية إلى ذلك غير مخفية وتسويتها بيد العراقيين إن أرادوا الحياة والسلام.