لا شيء كشف الكارثة الوهمية للحرب على الإرهاب مثل انفجار الأعمال الإرهابية في كثير من أجزاء العراق في الأسبوع الماضي، دافيد كاميرون أعلن منذ أيام أن منظمة الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) تمثل حاليا الخطر الأكبر على أمن بريطانيا.
في الوقت الذي استولى فيه المسلحون المتشددون على أكبر مصفاة للنفط في العراق في بيجي، كان باراك أوباما يدرس مطالب بغداد والصقور في واشنطن لتوجيه ضربات جوية لوقف تقدم المتمردين الذين يقودهم الجهاديون، مئات من الجنود الأمريكيين تم بالفعل إرسالهم لتحضير الأرض والدفاع عن السفارة الأمريكية التي تحوي 5.500 موظف أمريكي.
داعش في الحقيقة تمثل قوات النخبة في تمرد سني أوسع - يدعمه بعثيون سابقون ومجموعات مقاومة سابقة أخرى- ضد حكومة المالكي الشيعية، المفارقة هنا أن السياسة الغربية بلغت من التشويه والالتواء أنها تدعم داعش والإسلاميين في سوريا ضد حكومة الأسد، بينما في العراق تقف مع حكومة المالكي الشيعية ضد داعش.
القوات العراقية التي دربتها الولايات المتحدة تبخرت عندما احتلت داعش مدينة الموصل، الانهيار كان أسهل بسبب تعاطف أو فساد القادة العسكريين في الجيش العراقي، بالإضافة إلى صفقات سرية مع القوات الكردية التي استغلت الفرصة لتسيطر على مدينة كروك المتنازع عليها وحقول النفط شمال العراق. لكن داعش تواجه الآن مقاومة حقيقية في طريقها إلى بغداد.
فكرة أنه يمكن فصل هذه القصة المرعبة عن الاحتلال الأمريكي للعراق سخافة غير منطقية. لم يكن هناك وجود لتنظيم القاعدة أو داعش في العراق قبل الاحتلال، ولكن تفكيك الدولة العراقية والجيش العراقي وتحطيم البنية التحتية للبلد ساعد على بروز التنظيمات الإرهابية بسرعة في العراق، الذين يريدون تبرير هذا الأمر يقولون إن القوات الأمريكية غادرت العراق في وقت مبكر، وكان يجب أن تبقى فترة أطول، وذلك ظنا من السلطات الأمريكية أن العراق صار ينعم بالديموقراطية، ويمكن له أن يقف على قدميه لوحده، لكن العراق في فترة ما بعد الاحتلال أصبح مرتعا للصوصية المؤسساتية يتقاسم فيها كل من الولايات المتحدة وإيران النفوذ، وحيث يتم التصويت في الانتخابات وفقا لكتل طائفية وإثنية مفروضة. التعذيب ينتشر بشكل كبير، والآلاف سجناء بدون محاكمة. إذا كانت هذه الديموقراطية هي المقياس المعتمد، فإن الحكومة العراقية هي التي طالبت بانسحاب القوات الأجنبية من العراق. أما بالنسبة لسوريا، فإن الولايات المتحدة وحلفاؤها يستنزفونها من خلال تمويل وتسليح قوات المتمردين، في الوقت الذي تمتنع فيه أمريكا عن تقديم وسائل وأسلحة تمكن المعارضة المسلحة من تحقيق اختراق حقيقي على أرض المعركة ضد قوات النظام السوري. وبدون شك، فإن التدخل العسكري الغربي المباشر سوف يؤدي إلى تصاعد أعداد الضحايا في سوريا لتصل إلى نفس مستويات ضحايا الغزو الأمريكي للعراق.
الحديث عن الأسباب التي أدت إلى انهيار العراق بالطريقة التي وصل إليها الآن مهم، لأن ردة الفعل على التدخل السابق قد يتم استخدامها كذريعة لتبرير تدخل عسكري آخر - وليس فقط في العراق، ولكن في سوريا، وربما مناطق أخرى من الشرق الأوسط. إن الحرب على الإرهاب التي بدأت في 2001 تسببت في انتشار وزيادة الدعم للجماعات الجهادية في العالم الإسلامي، من تنظيم القاعدة إلى حركة طالبان باكستان، نمط ردة الفعل لا يمكن أن يكون أكثر وضوحا، القصف الأمريكي أو استخدام الطائرات الأمريكية بدون طيار ضد داعش في العراق، والمنتشرة في مراكز المدن، لن يؤدي إلى كسر سلطتها على المدن مثل الموصل وتكريت، لكن ذلك سيؤدي بالتأكيد إلى مقتل أعداد كبيرة من المدنيين ويشعل البلد والمنطقة بدرجة أكبر مما هي عليه الآن.
إن منظمة تكفيرية صغيرة مثل داعش لن تتمكن على الأرجح من السيطرة على مناطق واسعة في المدن لفترة طويلة - الخبرة التاريخية تبين أن حلفاءها من السنة سوف ينقلبون عليها- ناهيك عن قدرتها على الزحف إلى العاصمة بغداد أو المناطق الشيعية في العراق. لكن نجاحاتها السريعة وضعت استمرار العراق على ما هو عليه في خطر.
العراق حاليا مقسم عمليا، وليس هناك شيء يمكن أن يوقف هذا التقسيم سوى تخلي القوى السياسية العراقية الرئيسة بشكل جدي عن السياسة الطائفية والإثنية التي أوجدها جورج بوش وتوني بلير في العراق. العالم العربي كله يعيش مع تداعيات قرن من محاولات السيطرة على مناطقه وموارده، المزيد من التدخل لن يؤدي سوى إلى تعميق هذه الأزمة، العراقيون وحدهم الذين يستطيعون صياغة مستقبلهم.