لا أحبذ الحديث عن المذاهب ولا عن الطائفيات التي يستعر أوارها في الوطن العربي، وتحترق في لظاها الأمة الإسلامية الممزقة، لكن مقولات المبدعة التنويرية كوثر الأربش دفعتني إلى الكتابة في هذا الشأن، فكوثر لمن لا يعرفها مثقفة سعودية شيعية، أبى عقلها الاستسلام والرضوخ لفكرة المظلومية التي يستشعرها الكثير من أبناء المذهب الشيعي، فكانت شُجاعة بما يكفي لأن تصرح بضرورة مراجعة التراث الشيعي، وتنقية المذهب من المد الصفوي الذي عكّر التشيع لآل البيت ـ رضي الله عنهم ـ فطمس المقولات البيضاء للإمام علي ـ كرم الله وجهه ـ وعزّز مقولات العنف واللعن والبغضاء، التي أججت الصراع بين أبناء المسلمين.
كوثر مثال للوعي المتنامي في فكر إخوتنا في الدين والوطن من أتباع المذهب الشيعي، هذا الوعي الذي تجب تنميته، والحرص على استثماره للتقارب بين أبناء السنة والشيعة، لنبذ الفُرقة، وإسقاط المشروع الصفوي، الذي اتسعت ضده دوائر الرفض من أبناء المذهب الشيعي الأحرار، وهؤلاء الأحرار يواجهون عنفا وقمعا شديدا في مجتمعهم المغلق، وتهما توصلهم إلى التكفير والعقوبة والفتاوى المجحفة، كما يواجه الآن الشاعر الكبير علي النحوي، الذي اُتهم بالخروج على المذهب.
وللشاعر علي النحوي قصته العميقة أيضا في الصراع مع المتشددين الغلاة، الذين وصل بهم الحد إلى استصدار الفتاوى من الداخل والخارج بتكفيره حتى كادوا أن يطلّقوا زوجته، فسفهوا أحلامه في مشروعه التنويري الذي يؤمن فيه بإنسانيته وعروبته ووطنه، وسماحة الدين بكل مذاهبه في قبول الآخر، والتعايش، وهذا ما كان عليه المسلمون قبل قيام الدولة الصفوية التي بثت سموم أطماعها في كل اتجاه، فتلقّفها المتشددون دون تعقل ولا دراية.
علي وكوثر ليسا الوحيدَين اللذَين وقفا بشجاعة في وجه التشدد، لكنهما الأعلى صوتا، والأكثر تضحية، فقد أفاق الشباب الشيعي اليوم، كما أفاق شباب السنة في وجه المتشددين والتكفيريّين الذين مرقوا من مدارات العقل إلى مدارات مجنونة مشحونة بالغلّ والكراهية والعنف، فالمتابع للحراك الواعي اليوم يستبشر بمستقبل أفضل وأمثل، والمخطط الصفوي يكشف عن سوأته وقبح أفعاله؛ ليسقط هزيلا أمام وعي عقول الشباب المستنير، الذي يأبى أن يكون مطية لأفكار شيطانية سوداء.
في خضم هذه النار الطائفية المستعرة، لا سبيل لإخمادها، ولا طريق للتصدي لها إلا طريق علي وكوثر والشباب المستنيرين، طريق (العقل) الذي تسقط أمام حججه الدامغة المضيئة كل مقولات الظلام والضلال، وكل جحافل الأطماع الصفوية البغيضة، فالأحرى بنا أن نمد عقولنا لمصافحة هذه العقول المنيرة المبشرة بالخير والتلاقي على المشتركات، ونبذ الاختلافات والفرقة، بفتح مساحات الضوء التي تعزّز مسيرتهم، فالحديث الذي سمعته من أخي علي النحوي وقرأته على صفحات كوثر، كله ينصبُّ حول هذه المفاهيم، وضرورة احترام الآخر، واحترام رموزه الدينية، والنأي عن الشخصانية، وضرورة مراجعة التراث الديني وغربلته، وتقصي مقولاته بمنهجية وعلمية منصفة.
عالم اليوم عالمٌ مختلف، والديانات والمذهبيات أصبحت أسرع مطية تخطر في بال السياسي، والأمثلة حية، فإيران تعزف على وتر المظلومية الشيعية لتحقق مكاسبها التوسعية في الوطن العربي، ولم تكن تحلم بعُشر ما حققته لو لم تتخذ الدين مطية، والغرب يشتغل على إذكاء نار الطائفية لإشعال وإشغال المنطقة، وبناء مشروع الشرق الأوسط الكبير، وضمان سلامة إسرائيل بانشغال الطوائف العربية ببعضها بعضا، فراقبوا أعزائي القراء أين أصبح ترتيب القضية الفلسطينية في تفكيرنا وهمومنا، وكذلك في نشرات الأخبار الحمراء بدماء العرب.
يجب أن نتعاضد جميعا في بناء جسور التلاقي، من خلال لغة العقل، بعيدا عن تأجيج المشاعر والعواطف، وبعيدا عن كيل الشتائم والعنف اللفظي، وأن يتبنى قادة الرأي والإعلام مشروعا تنويريا عقلانيا يقود الساحة بكافة مكوناتها إلى نقطة في نهاية الطريق يلتقون فيها حبا وسلاما، وما أجمل أن تتوهج تلك النقطة بــ»الوطن».
النحوي والأربش.. وكؤوس النور!!
أحمد الهلالي3 دقائق للقراءة

حجم الخط
