المحور الثاني: حب المواطنين
الأخوة درجات: الأولى إخوة في الإنسانية وبنوة آدم، ودليلها قوله تعالى "يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُواْ"، فهنا وردت كلمة (شعوبا)، وكما قلنا إن الدولة أرض وشعب وحكومة، فهذا تأصيل معنى الشعب من كتاب الله عز وجل.
والثانية إخوة في الإيمان لقوله تعالى "إنما المؤمنون إخوة".
والثالثة: إخوة في الوطن ودليلها إجماع الفقهاء على أن جهاد الدفع، أي الدفاع عن الوطن فرض عين، فأنت حينما تدافع عن وطنك فإنما تدافع عن أرضك وأفراد شعبك بدمك ومالك وكل ما تملك.
أما عن حب أفراد الشعب لبعضهم فالأحاديث التي يمكن استنباط ذلك منها كثيرة، من ذلك قوله صلى الله عليه وسلم "وأحب لأخيك ما تحب لنفسك" (سنن البيهقي الكبرى ج9/ص161)، وعن أنس بن مالك قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ما آمن بي من بات شبعان وجاره جائع إلى جنبه وهو يعلم به".
رواه الطبراني والبزار وإسناد البزار حسن (مجمع الزوائد – الهيثمي ج8/ص167)، وهل الجار إلا من أبناء الوطن؟ وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه".
(صحيح البخاري ج5/ ص2239).
وهذا الوصف لا ينطبق إلا على أبناء الوطن الواحد.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث معاذا رضي الله عنه إلى اليمن فقال: ادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله قد افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم.
(صحيح البخاري ج2/ص505).
استنبط الفقهاء من الحديث أن الزكاة لا يجوز نقلها من البلد إلى خارجه إلا بعد كفاية فقراء مواطنيها.
وهذا دليل على ضرورة التكافل الاجتماعي بين أبناء الوطن الواحد، فحماية الوطن وحفظه من أفضل القربات إلى الله، وحب المواطنين كذلك، لأنها من باب الوفاء بحقوق الإخوان في الإنسانية وفي الدين وفي الوطن.
ولله در الشاعر إذ يقول:
بلادي وإن جارت علي عزيزة وأهلي وإن ضنوا علي كرام
وقول الآخر:
بلادي وإن جارت علي عزيزة ولو أنني أعرى بها وأجوع
ولي كف ضرغام إذا ما بسطتها تكون للمجدبين منهم ربيع
والتاريخ مليء بالشواهد على تقدير حب الوطن وأهله، ليس فقط من المواطنين، بل ومن أعدائهم.
ومن أمثلة ذلك:
- (.
.
.
إلا أن مدينة (جانز) أبدت من الدفاع أكثر مما كان يتوقع منها لقلة حاميتها، لكن لم تجد مدافعتها شيئا، بل سلم قائدها القلعة في 26 محرم سنة 939 بشرط عدم دخول الجنود العثمانية المدينة، فقبل السلطان هذا الشرط مكافأة لأهاليها على ما أبدوه من حب الوطن والشهامة والإقدام في الدفاع عنه).
(تاريخ الدولة العلية العثمانية – محمد فريد بك ج1/ص218).
- في مصر سنة 647 حينما احتل لويس التاسع ملك فرنسا مدينة دمياط ودافع أهل مصر عن بلادهم حتى أخذوا لويس التاسع أسيرا واشترطوا لإطلاقه رد مدينة دمياط إليهم فدخلها المسلمون وانقلب الفرنسيون على بلادهم.
- حروب التحرير ضد الاستعمار في القرن الماضي: ففي الجزائر بلغ عدد الشهداء مليون رجل وامرأة، ونضال عمر المختار ورفاقه ضد الاستعمار الإيطالي في ليبيا، وما أبداه يوسف العظمة ورفاقه في ميسلون من بسالة دفاعا عن دمشق عند دخول الفرنسيين، وكذلك في بقية الدول العربية والإسلامية التي تعرضت للاستعمار.
omar.
k@makkahnp.
com
الشعور بالانتماء وحب الوطن في التاريخ الإسلامي
3 دقائق للقراءة

حجم الخط
