يعد السائح السعودي من أكثر السياح إنفاقاً على السفر في العالم حسب ما تشير إليه كثير من الإحصاءات، ورغم أنه وقبل سنوات قليلة ماضية كان السفر للسياحة إلى “بلاد الكفر” محرما في كثير من الفتاوى إلا لسبب ملح كمرض وعمل ودراسة ونحو ذلك! فإن ذلك لم يمنع السعوديين أن يقبلوا على السفر والسياحة في الخارج زرافات ووحدانا بل وأصبحت هناك أسر وعوائل كبيرة تنتقل بكافة جذورها للبلاد التي كان الذهاب إليها قبل سنوات يكاد يكون على أقل وصف من خوارم المروءة!
وبعدما كان السفر يقتصر على الطبقة المخملية والمتعلمة أصبح الجميع يسافر لأوروبا وأمريكا في نمط اجتماعي ظاهر للعيان له أسبابه ودواعيه المنطقية وغير المنطقية.
في كل الأحوال أرى أن من حق الناس أن تستمتع بمالها ووقتها كما ترغب وتريد بل وكما أطالب دائما بالاهتمام بالسياحة الداخلية باعتبارها خيارا متاحا ومصدرا لإيجاد الدخل والوظائف في القطاع السياحي إلا أن السياحة الخارجية أيضا لها اهتمام عالمي يجعل حركة السياح متبادلة حتى مع الدول التي لديها اهتمام سياحي رائع في الداخل.
إن للسفر لأوروبا وأمريكا وبعض دول آسيا فوائد معرفية وأخلاقية ونفسية قد يتحصل عليها من يتأمل في حال وقيم الناس في تلك البلاد من الجدية والالتزام والانضباط...الخ، لكن ما يدهشني حقا ويغضبني في الوقت نفسه، أننا ننفق من المال الكثير بينما نحصل على أقل القليل من الفائدة والمتعة!
فالمشاهد الآن لتباشير صيف لندن التي تعد إحدى العواصم المفضلة للسياح السعوديين يستغرب من إقبال العائلات السعودية على الشراء للشراء فقط، حتى إنك تستغرب لو وجدت عائلة سعودية لا تحمل في أيديها أكياسا لماركات هي موجودة أصلا وبسعر أقل في السعودية! هذه الثقافة الاستهلاكية لما نحتاج أو لا نحتاج والتي يشاركنا فيها إخواننا في الخليج تجعل أحدنا يقول: (كأنهم ما شافوا من الدنيا شي!) لماذا انحصر مفهوم السياحة لدينا في مفهوم الشراء قبل التسوق أحيانا حتى إذا عدنا إلى ديارنا سالمين لا نعرف عن متاحف ومسارح وتاريخ وثقافة وطبيعة البلاد التي زرناها إلا استعراضنا السخيف لما تبضعناه من لندن أو غيرها؟
ومما يحبط أيضا أن حتى رياضة المشي التي من الممكن اكتسابها مع السفر جلب لنا الإنجليز في السنوات الأخيرة عربة هوائية تدعى (ريكشو) وأظنها قادمة من الهند تسمع منها ضجيج الأغاني العربية للفت أنظار السياح العرب من السعودية والخليج. ولكم هو مؤسف أن ترى شبابا وشابات في العشرينات من عمرهم تكاد تفنيهم السمنة والكسل فيركبون تلك العربات الهوائية بقيادة رجل قد بلغ الستين أو أكثر من عمره ليتجول بهم وبعربته في بعض الشوارع والساحات الشهيرة... ما الذي يشعر به هؤلاء وهم وحدهم أكثر إقبالا دون غيرهم من جنسيات الأرض على ركوب هذه العربة؟ أليس السفر فرصة لتغيير العادات السيئة المتراكمة عندنا منذ سنين؟ وكيف يكون إحساسهم وهم يرون السبعينيين نساء ورجالا يمشون على الأرض مرحا وفرحا يستمتعون بكل أوقاتهم؟! هؤلاء عرفوا أن السفر هو رحلة سعيدة للعقل والفؤاد والأجساد بينما البعض منا لم يغادر غرفة نومه حتى وهو يسافر إلى أقصى بلاد العالم!

[email protected]