العقل هو القوة التي جعلت الإنسان أقوى الكائنات الحية في الوجود، فلا تصمد في وجهه قوة، وهذه القوة الجبارة لا تزال هدارة في الوجود، لا يستطيع خيال التنبؤ بالمدى الذي ستصله في ملكوت الله الواسع، الله القائل «يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانفُذُوا لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ» (الرحمن: 33)، رأى العلماء أنه سلطان العلم، والعلم بالطبع لا يتأتى إلا بالعقل.
ويقال على سبيل «مزحة برزحة» أن العقل العربي الذي لا يزال «بقراطيسه» جدة، ولم يستخدم بعد، وهذا بالطبع ما أيده الدكتور صالح اللحيدان في أدبي الطائف قبل ليالٍ في حديثه عن غياب الموهوبين والمجددين في الفكر والنقد العربي ومجالات شتى، وغياب النقد الأدبي أيضا خلف ما يسمى بالدراسات الأدبية، ثم نقده الموجه إلى كتاب الرأي في الصحف في مسألة التثبت والتخصص، فأغلب الكتاب لا يناقشهم أحد لاعتمادهم على القطع وجرأة المحاكمة، أما الوعاظ فرآهم يقفزون على العلم، ويقعون في الأحاديث الضعيفة.
وللحق فقد استوقفتني تقسيمات الشيخ السبعة للعقل البشري، وخصائص كل قسم، وقد اعتبر نفسه أول من يقسم العقل بهذه الطريقة، وعزا الفضل بعد الله إلى ما استفاده من العقاد في كتابه «عبقرية عمر» في نوعين، أما البقية فقد اجتهد في تقسيمها على النحو الآتي:
- ـ العقل العميق: متجرد، ينظر للأمور من بعد، من صفاته التأني، وهو نادر الوجود.
- ـ عقل متأمل: يميل غالبا إلى الشفافية، والحذر، وهو كثير الحساسية، وطرحه قليل.
- ـ عقل مستشِف: يحب أن يسمع ويعاين ويباشر، مثل علماء الآثار، يعتمد صاحبه على الدليل المادي دون الاعتماد على السند، وتمثل بابن الجوزي.
- ـ العقل السؤول (المستشير): لا يقوم صاحبه بشيء حتى يستشير الآخر، وغالبا لا يسأل المتخصصين.
- ـ العقل المتابع: المنصت للطرح، كثير الاستماع، وأصحابه يستعرضون ما يستمعون، تمثل له بالغذامي والبليهي اللذين رآهما يستعرضان كثيرا لكنهما لا يغوصان إلى الأعماق.
- ـ العقل الذي تستثيره العاطفة: ورأى أكثر من يقع فيه المؤرخون وكتاب السيَر، وقد وقع فيه ـ حسب الشيخ ـ شوقي ضيف وطه حسين، وجورجي زيدان، وميخائيل نعيمة، ويرى أن مشكلة هذا العقل (نفسية فيسيولوجية).
- ـ العقل المراوح (المعاوِد): عقل جيد ينبئ عن واقعية في النظر والطرح، وهو الذي حينما يعرض له الخطأ وقد وقع فيه، يعترف ويتراجع ولا يكابر، تمثل فيه بوالدته ووالده، وعبدالله بن حميد.
ثم بعد هذه التقسيمات، اعتبر اللحيدان الفلسفة افتراضات ما فوق قدرة العقل، وتمثل بأدونيس في «الثابت والمتحول» وفي الختام عرض لآماله، بأن ينبعث موهوبون ومجددون، وأن يحترم كل باحث تخصصه، وتمنى على رؤساء التحرير أن يخصصوا نخبة تحقق في الأحاديث قبل نشرها؛ لأن الآخر يقرأ ما نكتبه باعتبارنا معقل الإسلام الأول.
وفي هذا الخضم عن الحديث حول العقل، يحق لكل إنسان أن يسأل «أين العقل العربي؟» وهذا الموران المعرفي على صعيدي العلوم التطبيقية والإنسانية، فالقراءة العميقة للتاريخ، تجعل وهج فضل العقل العربي على الإنسانية يخفت قليلا، فلو استصفينا النور الحقيقي دون مبالغات، ونقينا جهود العقل العربي من ضياء الآخرين، لما وجدنا إلا أقل بكثير مما تفاخرنا به، قبل أن نقرأ ونستخدم عقولنا فيما نقرأ دون عواطفنا.
أحيانا أتمنى أن يعاقبنا العالم بحرماننا من منجزات عقولهم، كي نستخدم عقولنا، ونوقد بصائرنا، فقد قل النتاج الحقيقي، وكثر الهراء والتكرار، ومزاعم التجديد التي تتهاوى تحت ظلال التقليد والتبعية، حتى شارفت الهوية على الامّحاء، والمستفز أن المقلدين من حولنا وصلوا وأنتجوا، ونحن لم نحافظ على إرثنا المزعوم، ولم نجارِ في التقليد -على الأقل- ما يستحق أن نحترمه، فكأننا الغراب الذي أضاع مشيته ولم يستطع أن يقلد مشية الحمامة، فقلز. فإلى متى نظل نقلز؟!

