فارق أهله إلى بلاد بعيدة، ترك عياله وأهله خلف ظهره، ليتولى هو معيشتهم بالغربة، تكبد كل هذا العناء. ومقلتاه امتلأتا بالدمع لفراق الأحبة والوطن الذي قضى فيه طفولته المتواضعة، ولكنه يبقى وطنه الذي تربى فيه. مضى.. ليقدم على العمل، لا يدري ماذا سيعمل؟ وكيف سيعمل؟!
وعند من سيعمل؟! لكنه راضٍ بكل ذلك لأجل لقمة العيش. وفي يوم سفره لم يذق طعم الهجوع من القلق، انتظر تلك السيارة التي سوف تقله هو ومجموعة معه إلى المطار، وقف أهله وفي أعينهم ذلة الانكسار لفراقه، وعندما سارت تلك الآلة التي تشبه السيارة فاضت دموع العين منه صبابة حتى بل دمعه ثيابه، وهو ينظر إلى أهله.
وصل إلى تلك العاصمة الفارهة التي لم ير مثلها في حياته، وقاده القدر إلى أن يصبح عامل نظافةٍ، يلتقط الأشياء من على الأرض.
وفي أول يوم له لم يحتمل قساوة تلك المدينة الحارة، فبلاده باردة ولم ير في حياته كهذا الحر القاسي، وأوكلت له مهمة نظافة أحد الشوارع، وأجره الشهري بضع دراهم يجمعها ويرسلها لأهله كل فترة، فيفرحون بها، وهو يلقى التعب والمشقة تحت درجات حرارة عالية، يتلقى الشتائم فيصبر لئلا ينقطع قوت عياله.
لن أتكلم عزيزي القارئ عن التعاملات السيئة التي طال ذكرها في المقالات، وحاربتها المجتمعات، فكثير ما نقرأ أو نسمع عنها.
سأسلط الضوء في هذا المقال عن تعاملات جميلة، مع العمال المغتربين.
خرج ذلك الشاب من الجامعة، اشترى بضع قنينات من المياه الباردة وسار بسيارته، وكلما مر على أحدهم، أعطاه قنينة، فيفرح بها ذاك العامل المسكين.
ما أجمل ذاك الموقف الإنساني غير المستغرب من هذا الشعب المعطاء، روى الإمام أحمد في مسنده وغيره عن سعد بن عبادة قال: قلت: يا رسول الله إن أمي ماتت، أفأتصدق عنها؟ قال: نعم، قلت: فأي الصدقة أفضل؟ قال: سقي الماء.
وتلك المرأة التي صرفت خمسين ريالًا، وكلما رأت واحدًا منهم مدت له الريال فيفرح به، وتكسب سعادة ودعاء من خمسين شخصًا. وعند الأعياد، لا ينسى المجتمع هذه الفئة، وخرجت مبادرات رائعة جدًا لا تستطيع الأسطر التعبير عنها، حقيقة مبادرات إنسانية جميلة، لم أجدها في شعوب العالم، أو تلك الشعوب الغربية التي تترفع عن هذه الفئة، فتجد كرها شديدا وانتقاصا، ففي أعيادهم لا تجد من يواسي هذه الفئة المستضعفة، لكن في مجتمعنا المسلم يقوم الناس بصنع مغلفات تحتوي على شيء من الحلوى، ومن كروت الشحن ليقوموا بشحن هواتفهم ومعايدة أهلهم.
وفي الشتاء عندما يبرد الجو ويقسو البرد على العظام ويدخل في الأجسام، تجد ذاك الشعب المعطاء يقف، ويساعد تلك الفئة المستضعفة بتقديم بعض ما يساعدهم على مواجهة هذا الفصل.
ولا أنسى حقيقة أن أشيد بأمانة القصيم، التي قامت بتوزيع حقائب صيفية على عمال النظافة، فأقدم شكري لأمانة منطقة القصيم لهذه البادرة الرائعة.
وأيضًا بإمكان عزيزي القارئ الدخول إلى موقع التواصل الاجتماعي «تويتر» فتجد تلك البوادر الجميلة من المجتمع السعودي التي تظهر وعي هذا المجتمع، وسعيه لإسعاد هذه الفئة.
المبادرات الإنسانية للمجتمع المعطاء
3 دقائق للقراءة

حجم الخط
