بعد أن وافق مجلس الشورى على مشروع نظام جباية الزكاة في الأنشطة التجارية والمهنية في صيغته الجديدة، التي تشمل الأراضي المعدة للبيع أو الزائدة عن حاجة المكلف الخاصة وأسرته، سيحل النظام الجديد -في حال إقراره من قبل الجهات التشريعية (مجلس الوزراء)- بديلا لنظام جباية الزكاة المعمول به منذ 65 عاماً وتحديدا منذ 1370هـ، وسيكون أول نظام مالي شرعي للزكاة يختص بكل عروض التجارة.
ووفقاً للنظام المقترح، ستطبق الزكاة على جميع الأنشطة التجارية والمهنية بما فيها صناديق الاستثمار غير المفتوحة، والعقارات المعدة للبيع أو للإيجار بما في ذلك الأراضي الخام والمطورة، والأراضي المعدة للبيع بشرط إقرار مالكها أو عرضها للمساهمة بموجب قرائن ظاهرة أو أن تكون مساحتها زائدة بصورة ظاهرة على حاجة المكلف الخاصة وأسرته بحسب العادة الغالبة، مما سيؤدي - وفقاً لرؤية التصريحات المتفائلة والمحتفلة به كحل سحري لأزمة الإسكان- إلى فك احتكار الأراضي، زيادة المعروض من الأراضي، وبالتالي انخفاض الأسعار.
لكن القراءة الأولية لمشروع النظام تكشف أنه بصيغته الحالية لا يزال بعيداً عن الواقع، وسيواجه عوائق كثيرة عند التطبيق، فمعظم مواده الخاصة بزكاة الأراضي تتحدث عن عموميات، وينقصها الدقة والوضوح، ويكتنفها الغموض، وتركت نقاط عدة دون معالجة، مما قد يفتح الباب مستقبلاً إلى التأويل، والتحايل، والتجاوزات، والاستثناءات التي أرهقت كاهل الأنظمة، وأفقدتها هيبتها، وفتحت باب المحسوبية والواسطة على مصرعيه، ويمكن إيجاز هذا الغموض وعدم الدقة والوضوح -على سبيل المثال وليس الحصر- في النقاط التالية:
أولاً: قفز النظام على إجراءات تهيئ البنية الأساسية له، فكان من الأولى تطبيقها ومعالجتها قبل الشروع في دراسة النظام، وضعه موضع التطبيق، منها عدم وجود جهات مستقلة للتثمين العقاري، أو آلية واضحة له، ولوائح وإجراءات تنظم عمله، فمعظم إجراءات التثمين الحالية ارتجالية، ويقوم بها أطراف لا يملكون الخبرة الكافية، إضافة إلى عدم وجود تصنيف المثمنين العقاريين.
ثانياً: لم يتضمن النظام الآلية التي سيتم بموجبها تقييم الأراضي، كأحد التحديات التي لا يمكن تجاوزها بسهولة، وقد تقف عائقاً أمام تطبيق النظام كونها قضية حقوقية بحتة، وستدخل فيها عوامل عدة لا علاقة لها بالعرض والطلب كالجاه، والمنصب، والعلاقات الاجتماعية، مما سيقود حتماً إلى طابور طويل من التظلمات أمام المحكمة الإدارية، لا سيما أن قضية تثمين الأراضي إحدى المشاكل في الدول المتقدمة التي تطبق ضريبة الأراضي.
ثالثاً: لم يحدد النظام الجهات المعنية بإعداد اللائحة التنفيذية لهذا النظام، ومما سيؤدي إلى تداخل الاختصاصات، وازدواجية الأدوار، نتيجة لاشتراك أكثر من جهة في إثبات ملكية الأرض، ومساحتها، وتثمينها، مثل مصلحة الزكاة والدخل، ووزارة الإسكان، ووزارة البلدية والشؤون القروية، وكذلك وزارة العدل.
رابعا: نص النظام أن الأراضي المعدة للبيع بشرط إقرار مالكها أو عرضها للمساهمة بموجب قرائن ظاهرة أو أن تكون مساحتها زائدة بصورة ظاهرة على حاجة المكلف الخاصة وأسرته بحسب العادة الغالبة ستكون خاضعة للزكاة، دون أن يحدد صراحة ما القرائن الظاهرة التي يعتد بها لإثبات أن هذه الأراضي معدة للبيع، في حال عدم إقرار المالك أو عرضها للمساهمة من ناحية، وما الضابط في الحكم على أن مساحة هذه الأرض زائدة عن حاجة المكلف وأسرته؟ وما العادة الغالبة في ذلك؟، وما المعيار الذي يمكن أن يقاس عليه؟ من ناحية أخرى، مما سيؤدي إلى تدوير صوري للأرض بين أفراد العائلة والأقرب، والاجتهادات الفردية لتفسير النظام، ويفرغ النظام من محتواه.
خامساً: لم يتضمن النظام الآلية التي سيتم بها تحصيل زكاة الأراضي، وكيف يمكن إلزام المكلفين بدفع المستحقات في مواعيدها النظامية المحددة، في ظل معاناة مصلحة الزكاة والدخل الحالية من صعوبة في تحصيل الزكاة، تتمثل في تهرب المكلفين من دفعها كلياً أو جزئياً، إضافة إلى استخدم بعضهم أساليب التدليس عند مطالبتهم بالإفصاح عن البيانات المالية أو المماطلة في الدفع، وهو ما سينطبق مستقبلاً على تجار الأراضي.
وعطفاً على ما سبق، لا يزال النظام يعاني من تشوهات قد تقلل من فاعليته عند إقراره، وبالتالي فمن الأولى عدم التسرع في إصداره بصورته الحالية، بل منحه مزيدا من الدراسة التي تراعي الواقع وتحدياته، بما يحقق الأهداف التي شرع من أجله، ويمنحه هيبة يستمد منها قوته، لا أن يكون حبراً على ورق.