اتزان الإنسان وقدرته على التفكير لا يعنيان بالضرورة قدرته على أن يتخذ القرار الصحيح في الوقت الصحيح، إذ إن عدم معرفته بما قد ينتجه تصرفه من آثار قانونية، وما يمكن أن يوجبه عليه من التزامات وحقوق قد يدفعه إلى الندم والحسرة حين لا ينفعه ذلك، ولا يمكنه أن يعتذر بجهله وعدم علمه، فالجهل بالنظام لا يعفي أحدا من المسؤولية، وفي واقعنا كثيرا ما نسمع عن أناس تعرضوا لإشكالات قانونية وماذا آل إليه حال أحدهم نتيجة تصرف أجراه بحسن نية أو باعتماده على الثقة فيمن يتعامل معه، دون أن يجعل للقانون حضورا، والشواهد على هذا الأمر كثيرة لعلي أسرد عليها بعض الأمثلة لبيان سوء العاقبة وضرورة الحيطة والحذر عند إجراء التصرفات القانونية وخاصة تلك التي تتعلق بالنواحي المالية:
- زواج المرأة من أجنبي: لا شك في أن الأصل في الزواج الإباحة طالما توافرت أركانه وشروطه الشرعية، وهو حق من الحقوق المكفولة للإنسان سواء بنصوص شرعية أو بما تضمنته المعاهدات والمواثيق الدولية، إلا أن الإقدام على هذه الخطوة من قبل المرأة تحديدا قد يكون مدفوعا بعاطفة يغيب معها العقل، وليس هذا قدحا في المرأة بقدر ما هو بيان لطبيعتها المجبولة على العاطفة من أصل خلقتها ولذلك اختلفت عن الرجل من حيث التكاليف، إذا، المرأة تجهل ما قد ينشأ من إشكالات في مقتبل الأيام وماذا يمكن أن يؤول إليه الحال خاصة إذا عرفنا أن الأبناء يتبعون والدهم في جنسيته وأن حقه في الولاية عليهم ورعاية شؤونهم حق أصيل لا يقبل التنازل ولا الإسقاط ما لم تتوافر له أسباب موجبة واضحة، مما يعني أنه إن حدث لا قدر الله فراق نتيجة لطلاق أو أن يغادر الزوج إلى بلاده دون عودة مع بقاء العلاقة الزوجية فإن ذلك سينعكس أثره السلبي على الأبناء، فهم من ناحية قانونية يحملون جنسية والدهم مما يعني أنهم أجانب ويعاملون معاملة الأجانب ولا ينال من ذلك ما أقرته الدولة من استثناءات لأبناء المواطنة، أو أن يحدث كما أسفلت طلاق بين الزوجين فيطالب الأب بحضانته لأبنائه ويصطحبهم إلى بلده الأم.. فكيف سيكون حال المرأة؟
- التستر التجاري: نتيجة طبيعية لنمو البلاد وتقدمها فإن الحاجة إلى الأيدي العاملة الأجنبية تتأكد للمساهمة مع أبناء الوطن في بنائه ونمائه، ولكي تحقق هذا الهدف سعت الأجهزة المعنية في الدولة إلى سن الأنظمة التي تكفل للأجنبي حق الإقامة والعمل، ومن الطبيعي أن تكون العلاقة بين العامل ورب العمل خاضعة لتلك الأنظمة ومتفقة معها، وبالتالي فإن الإشراف والمتابعة والتوجيه يكون لصاحب العمل وبما يتفق مع نظامي الإقامة والعمل، إلا أن الواقع المعاش يؤكد أن هذه العلاقة لدى الكثير من الكفلاء مع شديد الأسف ليست إلا علاقة صورية، إذ إن الكفيل ورغبة في الثراء السريع يلجأ وفي مخالفة واضحة للأنظمة ذات العلاقة ناهيك عن مخالفته الشرعية الواضحة إلى الاتفاق مع من هم تحت كفالته على أن يحصل منهم على مبلغ ثابت مقطوع في نهاية كل شهر وكذلك مبلغ آخر عند تجديد الإقامة، ولا يعلم أنه بهذا الفعل يمارس جريمة تستر تجاري قد تنتهي به (إن كُشف النقاب عنها) إلى السجن.
- الجهالة بأحكام عقد العمل: من المعلوم أن عقد العمل عقد ينظم العلاقة بين رب العمل والعامل، وهذا العقد بطبيعته يوضح العلاقة بين طرفيه وحقوق والتزامات وواجبات كل طرف قبل الآخر، إلا أن البعض ولرغبته في أن يفوز بالوظيفة لا يحمل نفسه عناء قراءة ما تضمنه العقد وما أوجبه له من حقوق وما قرره عليه من التزامات، وبالتالي فلا يمكنه بعد توقيعه أن يتنصل من العقد أو أن يدعي الجهالة بأحكامه، إذ إن كل ما يمكن أن يحصل عليه أثناء وظيفته يتقرر بموجب هذا العقد وبالتالي فإنه من المفترض أن يقرأه بحرص وتمعن ويسأل عن أحكامه وما تضمنه من واجبات قبل أن يعرف ما له من حقوق لأن ذلك أحرى لحفظ حقوقه وصيانتها، حيث إن توقيعه على العقد يعني موافقته عليه ورضاه بمضمونه.