جهازا الإذاعة والتلفزيون يحتاجان إلى تطوير، بل وإلى تغيير جذري، بعد أن أصبحا هيئة مستقلة متحررة من قيود البيروقراطية الحكومية. وليسمح لنا أخونا وصديقنا عبدالرحمن الهزاع رئيس الهيئة أن نقول له إن ذريعة الخصوصية والعادات والتقاليد لم تعد مقنعة لأحد، فالقنوات الفضائية والإذاعات التي يقبل عليها السعوديون ويتابعون برامجها ليست خارجة عن عادات مجتمعنا وتقاليده، وليست منتهكة لخصوصيته، لكنها تراعي الأذواق والتطلعات، وتجري الدراسة تلو الأخرى لتعرف اتجاهات واحتياجات ومطالب المشاهدين والمستمعين، ولا تشكك فيما تجريه الشركات المتخصصة من مسوحات ودراسات لمعرفة نسب المشاهدة والاستماع، وإنما تأخذها على محمل الجد، وتعمل على تلافي سلبياتها لتتقدم عاما بعد آخر، وهي تقبل النقد مهما كان، وتأخذه أيضاً على محمل الجد، وتتفاعل مع منتقديها.
وعلى الرغم من كل النجاحات التي حققتها تلك القنوات والإذاعات لم نسمع أو نقرأ لأحد من مسؤوليها، يقول إن ناقديها لن يروا النور فيما يكتبون أو يقولون، وإنهم سيوأدون في مهدهم، و(يا جبل ما يهزك ريح)، هذا الكلام لا يجرؤ على قوله حتى رئيس مجموعة ( CNN العالمية) أو ما يشابهها في المكانة والقوة، فضلا عن أنه قول لا يليق به ولا بمكانة مجموعته التي لم تتطور إلا بالإبداع المنتظم، والنقد المستمر، والدراسات العلمية المتقدمة.
هيئة الإذاعة والتلفزيون لديها سبعة آلاف موظف، وهي إن لم تقر أولا أن هذا الجيش في غالبه موظفون وليسوا مبدعين، وأنها بحاجة إلى مجهود جبار للتدريب والتأهيل، وإلى آليات متطورة للتخلص من فوائض العدد، واستقطاب كفاءات وخبرات من خارج صندوقها العتيق، ما لم تقتنع الهيئة بكل ذلك وتعمل عليه فهي لن تتقدم قيد أنملة، وهي لن تقنع المعلنين بدعوى الخصوصية والوطنية، فالمعلنون أصبحوا يعرفون أين يضعون إعلاناتهم، وكيف تصل رسائلهم إلى جمهورهم، وفق دراسات علمية وإحصاءات دقيقة.
إن على الهيئة أن تأخذ أفضل مجموعة قنوات وإذاعات عربية، من تلك المجموعات الناجحة من وجهة نظر سعودية وسوق سعودي، وتقارن عدد العاملين فيها بالسبعة آلاف موظف الذين لديها، ثم تقيس حجم الإنتاج والمشاهدة والاستماع بموضوعية وصدق مع النفس، لتعرف الفرق بين الإبداع وبين الأداء الوظيفي الروتيني.
إنني وغيري نطمح فعلا أن نرى جهازي الإذاعة والتلفزيون في قمة النجاح. وأعرف أنهما يحتاجان وقتا وجهدا وعملا دؤوبا في العلن وليس في الخفاء، لكن بوادر(جبل الجليد) الذي لا تهزه الريح تجبر كل محب لهذين الجهازين أن يصارحهما بالمخاوف التي تحيط بالجبل، الذي قد (يئده) موج الإعلام الهائج، وأنهره المتدفقة من كل خليج، وهو يحارب طواحين الهواء.