أصبح وضعنا التديني والإفتائي لا يطاق بأي شكل من الأشكال. صدرت أوامر ملكية تنظم طريقة استصدار ومصادر الفتاوى في بلادنا. وكان ذلك القرار الملكي عقلانيا وضرورة حياتية ومطلبا مهماً للمرحلة. إلا أننا ما زلنا نسمع ونقرأ الكثير من الفتاوى المختلفة لدرجة أن بعضها يدعو لقتل بعض المفكرين والكتاب. وبعضهم يفتي بما يعرف وبما لا يعرف، ويكذب على الله ورسوله وبكل وقاحة وقباحة وسهولة ويسر. دون أن يعطي نفسه حق البحث والتحري والتقصي الأكثر، ولا يفهم معنى التروي في النطق بالفتوى، وعدم تقدير واستيعاب الملاءمة بين فتاواه والواقع الذي يعيشه. فنحن اليوم ما زلنا نواجه فتاوى غريبة ومتناقضة ومكذوبة أتاها الخطأ من كل جوانبها الجغرافية والدينية والفقهية. أولئك المفتون أصدروا فتاوى كثيرة أثارت البلبلة والقلق والفزع في المجتمع مثل:
فتوى تحريم عمل المرأة.
فتوى تحريم الاختلاط في المسجد الحرام.
فتوى تحريم ركوب المرأة وحدها مع سائق غير محرم.
فتوى تحريم دخول المرأة المجال الطبي.
فتوى تحريم عمل المرأة في محلات المستلزمات النسائية.
فتوى تحريم بيع المرأة للموز والخيار وما شابههما.
فتوى تحريم تحضير المحشي وبخاصة حشي الكوسا.
فتوى تحريم قص المرأة لشعرها.
فتاوى جواز الخروج على ولي الأمر.
فتاوى تدعو للخروج في المظاهرات والاحتجاجات والاعتصامات.
فتوى تحريم معجون الأسنان في رمضان لأنه يفطر.
إن المجتمع يواجه فتاوى تدينية مرتبكة وبعضها يمحو بعضها، وبعضها مستفز لكل شرائح المجتمع، وبعضها مستفز للاستقرار، وبعضها لا يحكم العقل ولا المنطق ولا الضمير ولا الواقع، وبعضها لا يختار العقل وما يتفق مع معطياته العصرية والمرحلية. وكثيرها لا يبذل أي شيء للحق وإظهار الحقائق. وجاء في كتاب أعلام الموقعين وبالجزء (3)، بالصفحة (78) ما قاله ابن القيم: (من أفتى الناس بمجرد النقل من الكتب، على اختلاف أعرافهم وعوائدهم وأزمنتهم وأحوالهم فقد ضل وأضل وكانت جنايته على الدين). وقال الإمام الورع القرافي رحمه الله: (ينبغي للمفتي إذا ورد عليه مستفت ألا يفتيه بما عادته أن يفتي به حتى يسأل عن بلده). متى يقف عمل ماكينة الفتاوى؟.
والله يسترنا فوق الأرض، وتحت الأرض، ويوم العرض، وساعة العرض، وأثناء العرض.