الجنة التي وعد الله بها كل المؤمنين (إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون)، هي دار كرامته وجميل عطائه. وليس بيد أحد مفاتيحها والإذن بدخولها. بل هي إليه جل جلاله.
أما عندما يطغى الإنسان ولو باسم التدين لينصب نفسه فيدخل من يشاء الجنة ويدخل من يشاء الجحيم. أو عندما يختار سلوكا حياتيا بحتا ثم يجعله الطريق إلى الجنة في إشارة إلى أن ما عداه ليس كذلك. وتتشكل بناء على ذلك ثقافة مجتمعية مغالطة، فإن كشف ذلك مهمة الحقيقة التي يجب تجليتها وإيضاحها.
إن تدمير الحياة ليس هو طريق الجنة. ولو تحت مسميات الجهاد أو الخلاص من الكافرين!! والانتصار للمؤمنين! وبحافز الرجاء في الحور العين!! كل ذلك ليس إلا نتاج الأدمغة المفخخة بأفكار الدمار من أجل الحصول على منصات التحكم وعروش الرئاسات، فإن حصلت تلك المزعومة بـ»الدولة الإسلامية»! فإن رئاستها وسلطتها هي الجنة، والسبايا حور عينها!! وإن فاتت عليهم بقوة الحق فرصيدهم كاف لقتل النفس وتدمير الحياة.
إنه البؤس والكراهية والظلم والخطيئة التي تلاحقهم في أفكارهم ومشاعرهم وسلوكهم (بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون)، مع العلم المعهود أن كثيرا ممن يتبنون هذه الأفكار لا يحرصون على دخول الجنة بقدر حرصهم على إدخال خصومهم ومن يخالفهم في نار جهنم!!
وإذا كان هذا سلوكا مشينا مزعوما في طلب الجنة! فثمة سلوكيات أخرى مغالطة. فالتشدد والتنطع والضغط على النفس وإكراهها ليست هي الطريق إلى الجنة. بل هي طريق الهلاك كما قال سيدي صلى الله عليه وسلم (هلك المتنطعون) قالها ثلاثا. وفي صحيح البخاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه يقول جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يسألون عن عبادة النبي صلى الله عليه وسلم فلما أخبروا كأنهم تقالوها فقالوا وأين نحن من النبي صلى الله عليه وسلم قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر قال أحدهم أما أنا فإني أصلي الليل أبدا، وقال آخر أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدا، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم فقال: (أنتم الذين قلتم كذا وكذا أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له لكني أصوم وأفطر وأصلي وأرقد وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني).
وثمة مغالطة ثالثة: فالتزهد والتقلل من الدنيا ليسا طريق الجنة، وإنما هما اختيار لنمط من العيش في هذه الحياة. وليس سنة فعلية ولا مقاما تعبديا. فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يستعيذ بالله من الفقر كما في سنن النسائي: (اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر)، والله تعالى يمتن عليه فيقول: (ووجدك عائلا فأغنى)، فالنبي عليه الصلاة والسلام لم يكن فقيرا، وأدلة ذلك أكثر من أن يتسع لها المقال، ولكنه، بأبي هو وأمي، صلى الله عليه وسلم اختار طريق البساطة في الحياة. والبساطة سر في شخصية العظماء. وكذلك كان هذا هو اختيار بعض الصحابة رضي الله عنهم. وعلى سبيل المثال العشرة المبشرون بالجنة كلهم لم يكونوا من الفقراء!
إن الطريق إلى الجنة، وكما في صريح القرآن وعلى لسان خليل الرحمن إبراهيم عليه السلام، موجود في قلبك: (ولا تخزني يوم يبعثون. يوم لا ينفع مال ولا بنون. إلا من أتى الله بقلب سليم)، وحين يتم الادعاء باختصاص طريق الجنة فإن القرآن يجيب وبكل وضوح (وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى تلك أمانيهم قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين. بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون)، وأمام هذه الآيات الواضحات لماذا تتم المساومة على الجنة من قبل الطوائف والمذاهب وأرباب المناهج والمواعظ؟ فالجنة بانتظار المؤمنين الصادقين والحمد لله رب العالمين.