الأحداث الدائرة في الأراضي العراقية وخاصة خروج محافظة الموصل عن سيطرة قوات المالكي ليست بداية الأحداث في العراق، بل هي امتداد للانتفاضة السنية التي حدثت قبل بضعة أشهر في محافظة الأنبار، والتي كان من أهم مطالبها إسقاط المالكي، إذ اعتقد رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي وحلفاؤه أنهم تمكنوا من السيطرة عليها وإجهاضها.
كما أن خروج عزة إبراهيم الدوري نائب الرئيس العراقي الراحل صدام حسين وتنصيب نفسه رئيسا للعراق يجعل الصورة أكثر وضوحا بأن ما يحدث ليس كما يدعيه المالكي بأنه إرهاب تقف خلفه الدولة الإسلامية في العراق والشام «داعش» بل هو تمرد تقف خلفه قيادات عسكرية وشخصيات سياسية تابعة لنظام صدام حسين تمثل الطائفة السنية.
الدولة الإسلامية في العراق والشام «داعش» هي في مجملها صناعة مخابرات غربية اشتركت إيران مؤخرا في تركيبتها، ففي الأزمة السورية كانت تقاتل بجانب المعارضة المسلحة، ثم انقلبت عليها وأصبحت تقاتل من بعيد بجانب النظام السوري، والهدف من ذلك إطالة أمد الصراع لأسباب أهمها ضمان أمن إسرائيل ووضع سوريا على أعتاب التقسيم، ولذلك نجد أن داعش العراقية التي تأسست في 2006 في الأراضي العراقية لم تلحق الضرر بالنظام الطائفي بل على العكس كانت تخدمه في تثبيت أركان حكمه وتساعده في إقصاء السنة، فهي تؤمن له الغطاء الشرعي لقمع الانتفاضات السنية وإدخالها في الثورة السنية الدائرة حاليا في الأراضي العراقية، الهدف من ذلك الحصول على تأييد المجتمع الدولي لقمع الثورة وإجهاضها تحت مسمى مكافحة الإرهاب، ليس ذلك فحسب بل وقطع الطريق أمام أي دعم عربي للانتفاضة السنية.
الدولة العراقية التي تعيش في تفكك منذ سقوط نظام صدام حسين في 2003 على يد قوات التحالف الأمريكية البريطانية وما بعد الانتفاضة السنية التي تجري حاليا، ووجود الموصل أكبر حاضنة للسنة خارج سيطرة قوات المالكي، من المستحيل أن تعود كما كانت ما قبل الانتفاضة، فهي تقف على أعتاب مرحلة جديدة، إما سقوط النظام الطائفي بأكمله في العراق وهذا لن يكون بالأمر السهل في ظل وجود تدخل خارجي إيراني أمريكي، أو أن تتجه نحو التقسيم الطائفي وهذا هو الحاصل، خاصة أن المالكي منذ ترؤسه الحكومة العراقية أخذ ينتهج سياسات تعزز الطائفية وتمهد لتنفيذ المخطط الأمريكي القاضي بتقسيم العراق وفق خارطة الشرق الأوسط الجديدة.
الأحداث الدائرة في العراق أظهرت على السطح التعاون السري الأمريكي الإيراني في العراق، والذي تعود جذوره إلى الغزو الأمريكي للعراق في 2003، فالسقوط السريع لنظام صدام حسين الذي يعد من أقوى الدول العربية، إضافة إلى امتلاكه ترسانة أسلحة تعد الأكبر في المنطقة، ما كان ليحدث بهذه السرعة لولا وجود مساعدة قوية من قبل الجمهورية الإيرانية عن طريق أتباعها في العراق بمساعدة الحرس الثوري الإيراني، ولعل ما يثبت ذلك الوثيقة السرية التي صاغتها إيران بعيد سقوط النظام العراقي وقدمتها لواشنطن، والتي تتضمن الاعتراف بإيران كقوة إقليمية، وإعطاءها الوصاية على منطقة الخليج مقابل الاعتراف بإسرائيل كدولة، ووقف الدعم عن حزب الله.
ولذلك نجد أن أمريكا اليوم ما بعد الاتفاق الغربي الإيراني الذي يعد بداية الطريق لتنفيذ الوثيقة السرية تقف مع النظام الطائفي في العراق، وهي تعلم أنه السبب الرئيس فيما وصل إليه العراق من تدهور أمني وعدم استقرار من أجل المحافظة على النفوذ الإيراني في الأراضي العراقية، الأمر الذي يساعد بشكل كبير في خدمة المخططات الأمريكية في المنطقة، الهادفة إلى تفكيك المنطقة وإعادة تقسيمها وفق خارطة الشرق الأوسط الجديد، ومن جهة أخرى ضمان عدم عودة العراق كما كان إلى الصف العربي.
العراق.. الثورة والتقسيم الطائفي
3 دقائق للقراءة

حجم الخط
