بحسب معظم ما يُكتب عن العراق في هذه الأيام، فإن البلد قد وصل بالفعل نقطة الانهيار بسبب الحملة العسكرية السريعة والمفاجئة التي يتعرض لها الآن. سيطر المسلحون على أجزاء واسعة من مدينتي الموصل وتكريت، بدعم كبير من مقاتلين من سوريا وبيئة حاضنة متعاطفة في شمال وغرب العراق، وحاصروا سامراء، التي تقع فيها بعض أهم المزارات الشيعية. لن يكون مفاجئا إذا شهدت الأسابيع القليلة المقبلة تقدم هذه المجموعات المسلحة إلى أبواب بغداد. لكن الهجوم على بغداد، أو حتى الاستيلاء عليها، سيكون انتصارا وهميا، لا يمكن أن ينتهي ذلك إلا بالهزيمة - وبتقوية الشيعة الذين هم الأعداء اللدودون للجماعات المسلحة في بغداد وطهران.
أولا، دعونا نقيم الواقع الديموغرافي. بعكس ما هو الأمر في سوريا، يشكل العرب السنة أقلية في العراق، بالرغم من أنهم يشكلون الأغلبية في غرب وشمال العراق. وعددهم ضئيل في بغداد، سبب هذا هو الانتفاضة السنية التي أفرزتها حرب الخليج الثانية. كانت بغداد هي الهدف في ذلك الوقت، وكان السنة يشكلون نحو 35% من سكانها. وبعد أن حقق السنة تقدما، رد الشيعة بقوة؛ وبحلول 2008، بعد أن انتهت الانتفاضة تقريبا، كانت نسبة السنة في بغداد قد تراجعت إلى نحو 12% من سكان العاصمة.
إذا دخل المسلحون التابعون للدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) أحياء بغداد السنية، فإنهم سيلاقون الترحيب على الأرجح، لكنهم لن يجدوا كثيرين ليعملوا معهم، ولن يكون لديهم العمق الاستراتيجي الذي سيحتاجونه في قتال الشوارع الذي سيتلو ذلك. علاوة على ذلك، ومثلما حدث في سوريا، على الأرجح أن يدفع هذا الهجوم الجيش العراقي من حالة الفوضى التي هو فيها إلى قوة أكثر مرونة وفعالية.
في سوريا، تهاوى الجيش في وجه التمرد في 2011؛ كانت الانشقاقات كثيرة واستطاع المسلحون في سوريا أن يسيطروا على مساحات واسعة من الأرض. ولكن مع مقتل بعض القادة الفاشلين وإعفاء آخرين من مهامهم في الجيش السوري، ظهرت قيادة جديدة، واستطاع الجيش أن يستجمع قواه مرة أخرى ويحقق تقدما في وجه خصومه المنقسمين. قدراته القتالية تضاعفت بعد الدمج الناجح للميليشيات المدنية والاستخبارات مع الجيش، بالإضافة إلى الاستشارات التكتيكية التي وفرتها إيران. هذا المسار سوف يتكرر على الأرجح في العراق.
طبيعة الهجوم الذي تقوم به الجماعات المسلحة سيشجع على حشد ما هو أكثر من الجيش. الإعدامات الجماعية مُزجت مع رمزية طائفية من قبل المسلحين، الذين جعلوا هدفهم استئصال «القذارة» - التعاليم الشيعية والذين يتبعونها- من النجف وكربلاء، وهما المدينتان الأكثر قداسة عند الشيعة. في معركة يخوضها الأقلية ضد الأغلبية، يعد هذا تكتيكا انتحاريا. الشيعة سوف يردون بطريقة أقسى من المرة الماضية.
وبالإضافة إلى تعثرهم بسبب أعدادهم القليلة نسبيا، اختار المتمردون شن حرب على خصم لديه أصدقاء أقوياء لهم مصلحة قوية في العراق. إيران أعلنت عن استعدادها لمساعدة حكومة المالكي، ويُقال إنها نشرت وحدات من النخبة من الحرس الثوري الإيراني في العراق. الولايات المتحدة أرسلت حاملة طائرات وسفينة هجوم برمائية إلى منطقة الخليج وصعدت مساعدتها الاستخباراتية للحكومة العراقية. ومع أن واشنطن على الأرجح لن تستخدم القوة بشكل مباشر ضد المتمردين، فإن نوعية المساعدة الاستشارية والمادية والدعم الدبلوماسي الذي تقدمه سيقوي موقف العراق. الاعتقاد بأن إيران والولايات المتحدة سيتعاونان في المنطقة سوف يساعد أيضا.
وعندما ينتهي القتال، سيكون السنة في العراق أكثر عزلة من قبل لأن المالكي سيجد ذريعة للاستمرار في سياسته في استبعاد السنة عن الحكم.
باختصار، رغم الانتصارات السريعة التي حققتها الجماعات السنية المسلحة على الأرض، فإن النتيجة ستكون على الأرجح زيادة هيمنة الشيعة على العراق في المستقبل. لكن المالكي لن يكون في عجلة لاستعادة السيطرة على المناطق السنية. العراق الضعيف سيكون أكثر قابلية للاستعباد من قبل إيران.
هذه ليست النتيجة المثلى التي تريدها واشنطن، لأن مساعدة واشنطن لحكومة المالكي في العراق قد تؤدي إلى مزيد من التوتر في العلاقات الأمريكية مع حلفائها في المنطقة؛ كما أن ذلك سيعقد أي محاولة للتعامل بشكل عدائي مع إيران في المستقبل، حيث إنها ستجد نفسها مضطرة لدخول تحالف غريب معها.
صانعو السياسة الأمريكية قد يتوقعون أن يحرق التمرد نفسه قبل أن يشكل خطرا حقيقيا على المصالح الأمريكية. لكنهم لا يستطيعون أن يرتاحوا كثيرا، لأن هذا الصراع الطائفي في العراق إذا أنتج شيئا يشبه المنتصر، فلن يكون ذلك في واشنطن أو الموصل أو بغداد، بل في طهران.