لا معنى للوجود من غير الوعي بإيقاع الزمن، وفي القرآن الكريم «هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا. إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا. إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا» لتشكل هذه الآيات الكريمات معنى العلاقة بين الوجود الإنساني والزمن. مما يجعل أمام الإنسان أوسع مجال للحركة في الحياة، ويجعله أمام مسؤولية مفتوحة من الخيارات التي يتخذها في طريقه الوجودي (السَّبِيلَ) وفي عالم هو واقعنا الذي نعيشه ومستقبلنا الذي نتوجه إليه يتحتم أن يخرج الإنسان من محدودات الحركة الوقتية إلى مدلولات الزمن المفتوح حيث تعمل إيقاعات الأشياء على قانون (المتسارع والمتقارب) ليخرج من هذا القانون الإنسان المتباطئ والمتنافر، مما يعني أن هناك إعادة لمفهوم إدارة الوقت! وإعادة لترتيب الأعمال وفقاً لقانون (الأهم أولاً) أي أن هناك عودة إلى الإنسان كروح يعمل من جوهره ليتخلص من فخ العمل كآلة تحت السيطرة. لذا فإن إنسان العصر تتحتم عليه روح عصره (ومن لم تكن له روح العصر كانت له شروره) كما يقول فولتير.
إن إيقاع الزمن حيث يتصل بالإنسان يأخذ أبعاداً ثلاثة: البعد الروحي والبعد النفسي والبعد السلوكي، مما يخلق لديه حالة التوازن بين الداخل والخارج. ويأخذ البعد الروحي مركزية الحركة لدى الإنسان لاعتبارين:
الأول: أن الروح كاملة الوعي بخلاف النفس والسلوك فإنهما ناشطان في الوعي.
والأمر الثاني: ولأن الروح كاملة فإنها الضامن المصحح لمسارات النفس والسلوك.
ويعني البعد الروحي في إيقاع الزمن قوة السلام الداخلي للإنسان والتعامل مع الذات والحياة وفق منطلق ثلاثي الترتيب هو (الذوق والجمال واللذة) وفي الحديث (ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد رسولا) وحين تتحرك الذائقة تتكشف الطرق الجميلة، وفي الحديث (إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ) وبالجمال يتحقق المطلوب.
كما قال عليه الصلاة والسلام (فاتَّقوا اللهَ وأجمِلوا في الطَّلبِ) وللجمال قوة جاذبة للعطاء الذي يشعر الإنسان باللذة في رحلة الحياة ويمنحه الاستمتاع والبهجة، ويحصنه من الشقاء والتعاسة والملل والإحباط واليأس التي تستشري في بيئة المتذمرين والساخطين!
أما البعد الثاني لإيقاع الزمن فهو البعد النفسي الذي يتطلب ثلاثية (الهدوء والصفاء والعطاء) وهي ثلاثية ممتعة وسهلة حين تأتي ثانية بعد حركة البعد الروحي.
إن وعي الإنسان بأن الانزعاجات المؤلمة مدمرة للصحة وقاضية على السعادة، يجعله يهتم بمعرفة أسباب ألمه النفسي ومعالجة تلك الأسباب حتى يسمح للهدوء أن يتمكن من حركته النفسية لتتحسن جودة حياته وقراراته.
وبعد ذلك وكنتيجة للهدوء يصبح قادراً على الصفاء الذي من خلاله يرى الحقيقة ويعظمها ويتحلى بها لتشرق أنوارها من خلاله في أفكاره وكلماته وأفعاله والتي تمثل عطاء جميلاً يعكس استقراره النفسي وقدرته الداخلية على الانسجام والتطور والانضباط مهما كانت الأحداث والمواقف والتغيرات التي لا بد منها في حركة الحياة وحركة الإنسان فيها.
وعند انتظام حركة البعدين الروحي والنفسي مع إيقاع الزمن يأتي البعد الثالث وهو البعد السلوكي والذي يتطلب (المبادرة والمهارة والإنجاز) وهو ما تتحدث عنه الإدارة وتطوير الذات.
وكل ما أحببت إيضاحه أن البعد السلوكي لا يكون أولاً! بل يكون مسبوقاً بالبعدين الروحي والنفسي حتى يحقق الإنسان ذاتيته وقدراته، ويعكس حكمة الله في وجوده.
إيقاع الزمن وروح الإنسان
محمد الدحيم3 دقائق للقراءة

حجم الخط
