ربما أنا بخلاف بعض المحللين الذين يفاجؤون بقوة تنظيم «داعش» في الظهور على المسرح السياسي والعسكري في العراق، وفرض وجوده على مدينة كبيرة «أكثر من ثلاثة ملايين نسمة»، مثل مدينة «الموصل» الحدباء، المعروف عن أهلها شدة بأسهم على الأعداء، وتجربتهم الطويلة في العمل في الجيش العراقي، وأن معظم المراتب العليا من الضباط وضباط الصف العسكري منذ تأسيس الجيش العراقي كانوا من أهل هذه المدينة العريقة، ففيها تحصن الجنرال «رشيد عالي الكيلاني» عام 1941 ، وقاد ثورته ضد الملك فيصل الثاني ووصيه عبداللاه الهاشمي على العرش، وأسقط الحكومة التي كان يرأسها «طه الهاشمي»، وأجبره وطاقم حكومته على الهروب إلى الأردن «ليقودوا المعارضة من الخارج».. فهل يا ترى تتكرر تجربة «الكيلاني» وتستطيع تلك المجاميع الثائرة التي دخلت أهم مدينة في العراق بعد بغداد، واستولت عليها في غضون ساعات قليلة، إسقاط حكومة «المالكي» وإجبار أعضائها على ترك الحكم والفرار إلى الخارج، ولكن ليست الوجهة إلى الأردن بالتأكيد، بل إلى إيران أو الدول الغربية التي جاؤوا منها.
وإن كانت حركة الثوار، التي تصفها بغداد بالإرهابية، تقودها الدولة الإسلامية في العراق والشام والمعروفة بـ»داعش» شدت انتباه بعض المحللين، واعتبروها مفاجأة لم تكن بالحسبان، فإنها لم تكن مفاجئة تماما للبعض الآخر وأنا منهم.
كنت أتوقع حدوث هذا الزلزال العشائري الشعبي -إن صح التعبير- في أي وقت، نظرا للسلوك العدائي الطائفي الذي أبداه رأس النظام الطائفي في بغداد «المالكي» حيال المطالب الدستورية المشروعة للمعتصمين السلميين في المحافظات السنية، وممارسته لسياسة الإقصاء والتهميش بحق كتلهم وأحزابهم، وملاحقة قادتهم وفق المادة أربعة إرهاب وعقوبتها الإعدام، ومعاملتهم معاملة لا إنسانية بالمرة، واعتقال نسائهم وأطفالهم، وغير ذلك من المظالم التي يندى لها جبين البشرية. وكان من الممكن جدا لرئيس الوزراء العراقي الذي يطالب الآن بولاية ثالثة وسط رفض المكونات الأساسية في البلاد، السنة والكرد وبعض الجهات الشيعية، أن يتجنب حدوث هذه الأزمة الكبرى التي وضعت العراق على حافة حرب أهلية مدمرة شبيهة بالحرب التي جرت عامي 2006 و2007 بين السنة والشيعة، والتي ذهب ضحيتها مئات الآلاف، ويحتكم إلى العقل والمنطق، ولكنه أبى إلا أن يشعلها ويطيح بالبقية الباقية من الترابط الأخوي بين العراقيين، فقتل من قتل، وشرد من عارض سياسته الطائفية الدكتاتورية ولاحقه قضائيا، وعاش العراقيون في عهده أسوأ فترات حياتهم. وبدلا أن يستجيب لمطالب المعتصمين السلميين في المحافظات السنية قام بدك حصونهم ومدنهم بالمدافع والصواريخ، وأمطرهم بالبراميل المتفجرة أسوة بنظام بشار الأسد المجرم. ومن الطبيعي، والحالة هذه، أن يثور المتظاهرون ويرفعوا السلاح ضد الحكومة ويدافعوا عن أنفسهم وعقيدتهم ويواجهوا قمعه المستمر بالوسائل العسكرية بعد أن عجزوا عن الحصول على حقوقهم بالطرق السلمية والقانونية ووفق الآليات الديمقراطية، فقاموا بانتفاضة عشائرية وشعبية شارك فيها معظم القوى السنية في المحافظات الشمالية والغربية السنية من القوميين السابقيين والبعثيين، والعشائر وكتائب ثورة العشرين، وجيش محمد فاتح، وجيش التابعين، وجيش الراشدين، ورجال الطريقة النقشبندية، وأخيرا تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) الذي يعتبر أهم فصيل من الفصائل الثورية المشاركة، ولكن رغم ذلك يتهمه الكثير من زعماء الثوار، ومنهم الشيخ «علي حاتم السليمان» رئيس مجلس ثوار العشائر بالعمالة لإيران وحكومة المالكي، وأنه «صنيعة إيرانية»، وتحاولان إلباس الثوار وسنة العراق ثوب (داعش)، لأن الموقف الدولي معروف بالنسبة لـ(داعش).
طبعا، لم يكن سهلا على العراقيين أن يروا جيشهم الذي كان تضرب الأمثال بشجاعته وإقدامه في ساحات المعارك، ينهار فجأة ويفر أمام مجاميع مسلحة صغيرة دون قتال، تاركين وراءهم أسلحتهم وعتادهم، ونازحين مع الأطفال والنساء إلى إقليم كردستان المجاورعلى غير هدى في وضع يرثى له، وسط ذهول العالم ودهشته من حالة الذعر التي انتابت هذا الجيش الذي تجاوز عدده ستين ألف مقاتل، وجهز بأحدث الأسلحة المتطورة..ولم يستغرق احتلال المدينة والسيطرة عليها تماما غير عدة ساعات، وبغزوها أو فتحها، كما يحلو للثوار تسميته، تكون حكومة «المالكي» قد خسرت أهم مدينة استراتيجية تربط العراق بتركيا وسوريا، ولا يمكن تعويضها، وقد تخسر مدنا أخرى لا تقل أهمية عن الموصل في ظل استمرار تقدم الثوار نحو المدن السنية الأخرى وسط البلاد، واحدة تلو الأخرى بنفس السيناريو المتبع، وقد يجد المالكي نفسه فجأة أمام زحف الثوار وهم يقتحمون أسوار المنطقة الخضراء ويدكون حصونها المحصنة، هذا إن بقي فيها ولم يفر بجلده من غضب الثوار وإصرارهم على اقتلاعه من جذوره وشلته الفاسدة من أرض الرافدين.