شكلت الأجناس الأدبية على اختلاف أنماطها تباينا، في اللحاق بالإيقاع السريع للثورات في عدد من البلدان العربية، في وقت تباطأ نتاج الروائيين فيه عن المشهد الثقافي، وسجل نتاجهم تراجعا بفعل نكوص بعض الأجناس الأدبية
وتركت بعض تلك الألوان الأدبية، غيابا عن النسق الثوري الذي لحق بكثير من البلدان العربية، في وقت اقتحم فيه الشعر، الفعل الثقافي، جراء ما وصفه مثقفون بأنه حال «الدفقة» الشعرية الأكثر تفاعلا، ليحول بينه والعمل الروائي والمسرحي بفعل البعد الزمني
وعطفا على ذلك، قال الشاعر جاسم الصحيح، «إن الشعر هو أكثر أنواع الفنون الأدبية استجابة؛ كردة فعل للحدث في حين أن القصة والرواية والفيلم التسجيلي والفنون التشكيلية، تحتاج إلى زمن بغية اكتمال الفكرة، لعقل يبدعها ويستطيع نسجها كعمل أدبي كامل، وإن الفعل الشعري هو القريب إلى الفعل الإنساني، في كثير من القضايا التي تتماس مع هموم المواطن العربي، مثلما يحدث في كثير من البلدان العربية من سفك للدم، ونذر بحرب أهلية»، مضيفا «الشعر ديوان العرب، والعرب أكثر الشعوب التصاقا بهذا الفن منذ قديم الأزل، وكما قال أحد الشعراء: إذا رثت قلوب العرب، فإنها ترثي عن قلوب تتفتت»
أما القاص والناقد، حسن النعمي، فيرى أن كل الفنون تتفاعل مع الثورات لكن بنسب متفاوتة، واصفا الشعر بأنه حالة انفعال شعرية تداخلت مع الثورات وقفزت في أتونها، معللا ذلك بأنه نمط أدبي سريع مع الأحداث والتغيرات في سياق فني أكبر عمقا وثقافة بعيدا عن الهشاشة، ملمحا إلى أن الفنون الأخرى كالقصة والرواية هي موطئ السياق الأكبر، وعادة ما تكون من الفنون البطيئة في التفاعل مع الأحداث، وتفاعلها يحدث عمقا أكبر في الوسط الثقافي
ويواصل «الرواية تعيد تأهيل الشخصيات، وأبعاد الحدث، وأحيانا تعمل رؤية نقدية لهذا الأمر، مفيدا أن طريقة أداء الفنون والآداب، تختلف من جنس لآخر، فالغناء متى ما اعتبرناه تعبيرا حماسيا عن الأحداث والتحولات، فهو من الاعتبارات الفنية الأكثر موتا، ولا يبقى سوى ما يعبر عن التجربة الإنسانية، سردا أو قصة أو شعرا أو حتى رواية»
ويبين النعمي أن الأعمال الأدبية المسيسة سقطت سريعا، فالعمل الأدبي الرصين لا يكتب عن الحدث بل يكتب عن أثر ذلك الحدث، لأن الآداب السردية عموما ليست منشورات أدبية، مشيرا إلى أن الحدث في زمنه ليس عملا أدبيا محضا، بل هو شأن سياسي وإعلامي، وما بعد الحدث يتجلى الفعل الأدبي، وهو ما يعطي أهلية للفنون الأدبية بمختلف أجناسها
ويؤكد الناقد والروائي سلطان القحطاني أن الأجناس الأدبية ليست قادرة على أن تكون موسمية، عدا الشعر الذي يعد حالة من الانفعال المباشر، والشاعر يستطيع أن يعبر بما يشاء لأن الشعر من الممكن أن يكون موسميا
ويقول القحطاني «الشعر يستطيع مواكبة الأحداث، وتستطيع القصة القصيرة إلى حد ما أن تصل إلى مشهد الثورات بحكم قصرها، بينما نستثني في المجمل العمل المسرحي» مرجعا السبب في ذلك إلى أن المسرح في مجمله «ثورة لم تنضج في طرحها»
ويفيد بأن الرواية في حد ذاتها، لم تستطع بحكم ماهيتها أن تكون موسمية وقريبة من الأحداث؛ مشيرا إلى أن الرواية ذات عمق بعيد، وما بين طرح المكان والزمان يظهر عنصر الوقت، لأن يجد موضعا تاريخيا، وأماكن يتحرك في ضوئها لاندراجها تحت شخوص كثيرة وتوظيف أحداث ومواكبة تغيرات، محددا بعدا زمنيا كي تتعاطى الرواية وتنسجم مع الحدث بحيث لا تقل عن خمس سنوات كي تمترس تجربتها
وحول الأدوات المحركة يفيد بأن مهمة الرواية تختلف كلية عن الشعر باختلاف الأثر والبعد الأدبي، مدللا بمسابقة الطيب صالح للقصة القصيرة والتي يعمل محكما بها، وأن معظم القصص عانت من الإتقان وغياب الظرف التاريخي في تعاملها مع الثورات التي لحقت بالشعوب العربية على اختلاف جيوغرافيتها، مضيفا «التاريخ هو الحدث، والخشبة التي يتحرك عليها هي الأحداث، وبمعنى آخر فإن الأحداث تتحرك على التاريخ»