في السعودية، يظل غازي القصيبي هو المثال الأبرز، لأنه ملأ الدنيا وشغل الناس كما كان أبو الطيب المتنبي في زمانه، فجمع المجد من أطرافه شاعرا وروائيا، ووزيرا وسفيرا
وعنه يقول الناقد الأدبي حسين بافقيه كان جزءا أساسا من الحركة الأدبية في المملكة في عهدي الوزارة والسفارة، بل دخل في سجالات وربما معارك من أجل قصيدة أو قضية أدبية، ولم يكن وزيرا يتخذ الأدب زينة في المجالس، ولكنه كان شاعرا وذا رأي فيما تضطرب به الحياة الأدبية، وكان وثيق المعرفة بالأدباء وما يصدرونه، إنه قارئ عجيب
أما عن الأمثلة الأخرى في غير بلده فيرى بافقيه شاعر البعث والإحياء المصري محمود سامي البارودي الذي كان وزيرا ثم رئيس وزراء، والعلَّامة والمفكر السوري محمد كرد علي الذي عُهِدَ إليه بغير وزارة وهو الأديب والمؤرخ واللغوي، وكان في حياته مجاهدا كبيرا
ويضيف: «من أصحاب المواقف الكبرى في حياة الشعوب عميد الأدب العربي طه حسين، كان مثالا مشرفا للأستاذ الجامعي وعميد الكلية، وبلغت به شجاعته أن وقف في وجه السلطة التي أرادت الجامعة لعبة تتلهَّى بها فتمنح أربعة من الساسة درجة الدكتوراه الفخرية فأبى ذلك وقال قولته المشهورة في وجه رئيس الوزراء آنذاك: يا باشا عميد كلية الآداب ليس عمدة تصدر إليه الأوامر فينفِّذها! ثمَّ حين وَلِيَ وزارة المعارف، في حكومة ما قبل الثورة، أطلق مشروعه الإصلاحي العظيم، وخلَّد التاريخ قولته المشهورة: «التعليم كالماء والهواء»
وفي السياق ذاته يؤكد المؤرخ والباحث زيد الفضيل أن التفريق واجب بين شخصيتي المبدع، والمبدع المثقف، لأن من تولوا مسؤوليات كبيرة كانوا مندرجين تحت هذا التصنيف، فالأول شاعر أو روائي أو قاص كرس حياته للفن والرسم والموسيقى لكنه لا يمتلك وعيا وقدرة على تحمل المسؤولية الإدارية، لأنه عادة يفكر بفوضوية، ولا يمكن لأحد إلزامه بوقت ونظام وأوامر محددة
أما النوع الثاني، فهو مدرك ولديه وعي بالمسؤولية، ولديه ملكة الإبداع فيقول شعرا ويكتب نصا روائيا وقصصيا، هذه الشخصية ربما تنجح في إدارة المسؤوليات الموكلة إليها، لكن نسبة عطائها للإبداع تنخفض
ويستحضر الفضيل أسماء من طائفة المبدعين والمثقفين في آن واحد، مثل غازي القصيبي، والمصري جابر عصفور الذي ولي إدارة الهيئة العامة للكتاب ونقلها نقلة نوعية، وعبدالعزيز خوجة الذي استطاع أن ينتج إبداعا وقام بمسؤولياته بحقها في الجامعة والدبلوماسية والوزارة
ويضيف «محمد سرور صبان هو شيخ المبدعين المثقفين السعوديين، لقد كان أستاذا كبيراً في التعامل مع المسؤوليات ومع المثقفين وكان وزير المالية، وهي وزارة منهكة وعادة لا يشغلها مثقفون»
ويرى الفضيل أن حمزة شحاتة مبدع صرف لم يستطع أن يقوم بمسؤوليات إدارية، فهاجر إلى مصر وعاش وحدة إبداعية في مصر من خلال مراسلاته مع ابنته شيرين ومع وزير النقل السعودي الأسبق محمد توفيق الذي كان صديقه المقرب، ومراسلاته معهما قمة في الإبداع الإخواني
وكذلك السوريان عمر أبو ريشة ونزار قباني كانا مبدعين، ولم يستطيعا الاستمرار طويلا في العمل الدبلوماسي كسفيرين لبلدهما، وعادا إلى فوضويتهما سريعا
لا يزال المثقف ملء السمع والبصر شاعرا أو كاتبا أو فنانا، خصوصا إن حظي بجماهيرية كبيرة، حتى إذا تعرض لامتحان المنصب والمسؤولية والإدارة أمسى في اختبار حقيقي وأمام مرحلة فاصلة لدى جمهور أوسع من جمهور الأدب والفكر
قليلون هم الناجون والناجحون في عالمنا العربي عندما اعتمدت دوله الناشئة نموذج المثقف كقيادي ومسؤول، وكثيرون رسبوا في هذا الامتحان، فجلب عليهم الكرسي لعناته وويلاته
المثقف وزيرا أو مسؤولا..نجح القصيبي وفشل نزار وأبو ريشة
3 دقائق للقراءة

حجم الخط
